بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

‏من حدود السيادة إلى حدود النار

الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري

محلّل سياسي ، ودبلوماسي ، وسفير سابق

 

‏أين وصل القانون الدولي من وستفاليا إلى الأمم المتحدة؟
‏1.وستفاليا: السيادة وعدم التدخل كفكرة مؤسسة—لكنها كانت دائمًا مشروطة بميزان القوة لا متحررة منه.
‏2.عصبة الأمم: طموح أخلاقي بلا أسنان كافية حين تصادم الطموح مع مصالح القوى اختُبرت العصبة وخسرت.
‏3.الأمم المتحدة: وُلدت باعترافٍ صريح أن السلام يحتاج صفقة قوة داخل مجلس الأمن لذا أُعطي الفيتو للخمس الكبار فصار النظام قادرًا على منع حرب عالمية… لكنه كثيرًا ما يعجز عن منع حروب إقليمية حين تتضارب مصالح الكبار.
‏لسنا في غابة بلا قانون بالكامل لكننا في عالمٍ أقرب إلى:
‏قانونٌ موجود… لكن تفعيله انتقائي ومفاتيحه عند الأقوياء.

‏(ميزان القوى والحساب البارد)..

‏حين وُلدت وستفاليا (1648) كان وعدُها بسيطًا:
‏الدولةُ تُمسِكُ أرضَها ولا يمدّ أحدٌ يده إلى شرعيتها من خارج الحدود.
‏لكن القرن الحادي والعشرين يختبر هذا الوعد بطريقة قاسية:
‏السيادة تُقاس اليوم بقدرتك على منع الآخرين من تحويل داخلك إلى ساحة لا بقدرتك على رفع علمك فوق المبنى الحكومي.
‏وحين تكون إيران — بثقلها السكاني والعقائدي والعسكري وشبكاتها الإقليمية — أمام ثلاثة مسارات انفجارية فإن دول مجلس التعاون لا تكون جارًا يراقب بل حدًّا مباشرًا لصدمةٍ سترتدّ إلى الطاقة والأمن والمال وخرائط التحالفات.

‏اضطرابات داخلية احتمال أن تتدحرج إلى شقٍّ أهلي
‏ليس شرطًا أن تتشكل حرب أهلية كلاسيكية بخطوط جبهات واضحة الأخطر هو تحول الدولة إلى طبقات أمنية متنازعة:
‏جيوب سلطة اقتصاد ظل تفكك ضبط الحدود وتحوّل الأطراف إلى مناطق مساومة.

‏الأثر على دول مجلس التعاون: خمس ضربات مباشرة
‏1. الأمن البحري: حين تتصدّع القدرة المركزية في طهران قد يصبح هرمز ساحة لمبادرات محلية/فصائلية أو قرارات متسرعة لفرض الهيبة— أي ارتفاع مخاطر الملاحة والتأمين.
‏2. التهديد غير المتماثل:
‏الانقسام الداخلي يخلق سوقًا سوداء للسلاح والخبرات ويزيد احتمالات التسرب عبر البحر/الحدود ويغذي شبكات تهريب.
‏3. تبدّل سلوك الوكلاء:
‏وكلاء إيران قد يتحولون من أدوات سياسة إلى مراكز تمويل ذاتي فيرتفع منسوب الفوضى غير القابلة للضبط.
‏4. الطاقة والاقتصاد..

‏ليست المسألة سعر النفط فقط بل تكلفة المخاطر (Risk Premium) على سلاسل الإمداد والاستثمار والتأمين وسمعة المنطقة.
‏5.الاستقطاب المجتمعي:
‏أي صراع أهلي في إيران قد ينعكس سرديًا وإعلاميًا في المنطقة ويضغط على التماسك الاجتماعي إذا لم تُدار الروايات بحكمة.

‏الأثر على العلاقات الدولية
‏•أولوية الاستقرار على الشرعية:
‏القوى الكبرى تميل في الدول المتصدعة إلى دعم من يضمن الحد الأدنى من الاستقرار—حتى لو كان ذلك على حساب الخطاب القانوني.
‏•المساعدات الإنسانية كساحة نفوذ:
‏الإغاثة العقوبات فتح المعابر… تصبح أدوات سياسية لا حيادًا أخلاقيًا.

‏احتمالية تدخل روسي في إيران (مباشر أو عبر مظلة أمنية)
‏منطق التدخل الروسي — إن حصل — لن يكون إنقاذ إيران لوجه إيران بل:
‏•منع انهيار حليف يوفر عمقًا ضد الضغوط الغربية،
‏•حماية مسارات تعاون عسكري/تقني
‏•وامتلاك ورقة جيوسياسية على ضفة الخليج.
‏وتقارب موسكو–طهران مؤسَّس باتفاقات شراكة معلنة حتى لو اختلفت التوقعات حول حدودها العملية.

‏الأثر على الخليج: انتقال الجار المقلق إلى الجار المحمي
‏1.توازن ردع جديد: وجود روسي (قواعد/مستشارون/ممرات لوجستية) يخلق طبقة ردع إضافية تُعقّد أي حسابات أمريكية أو إقليمية.
‏2.عسكرة المجال القريب: الخليج قد يجد نفسه أمام ازدواج قوة على الضفة الأخرى: بنية إيرانية + مظلة روسية وهذا يرفع كلفة أي أزمة بحرية.
‏3.صفقات مقايضة كبرى: موسكو قد تعرض تهدئة في هرمز مقابل ملفات بعيدة (أوكرانيا/عقوبات/طاقة) هنا تُستخدم المنطقة كعملة تفاوض.

‏الأثر على النظام الدولي والقانون
‏يدفع نحو عالم مناطق النفوذ:
‏•القانون الدولي يتراجع لصالح حق الحماية بالقوة حين تتذرع القوى الكبرى بالأمن أو منع الفوضى.
‏•مجلس الأمن يصبح في كثير من اللحظات غرفة تسجيل عجز بسبب الفيتو لا منصة حل.

‏احتمالية انقلاب عسكري بتغذية أمريكية
‏غالبًا لن يُقدَّم كـ انقلاب بل كـ:
‏•تصحيح مسار
‏•إنقاذ اقتصادي
‏•انتقال منضبط
‏الأثر على الخليج:
‏1.تهدئة قصيرة الأمد مقابل عدم يقين طويل قد تهدأ الجبهات بالوكالة مؤقتًا لكن خطر التفتت الداخلي أو الرد العنيف من شبكات الدولة العميقة قد يفتح دورة عنف جديدة.
‏2.إعادة تموضع الطاقة إن تحسنت علاقة إيران بالغرب.
‏3.رد فعل روسي/صيني انقلاب محسوب على واشنطن قد يستدعي تعديلًا مضادًا في ملفات أخرى (طاقة تسليح تموضع بحري).
‏القاعدة ليست ما هو قانوني بل ما هو مفيد الآن ثم يُصاغ له تبرير قانوني لاحقًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى