بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

ماذا لو سقط النظام الإيراني ؟!..

"حين يصبح الانتقال أخطر من السقوط : تداعيات التحوّل المحتمل على الخليج والمنطقة"

الدكتور/ عبدالناصر سلم حامد

باحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب
كبير الباحثين بمعهد فوكس – السويد

 

لا ينطلق هذا المقال من افتراض سقوط النظام القائم في إيران، ولا يسعى إلى التنبؤ بتوقيت أو حتمية مثل هذا الحدث. بل يطرح سؤالًا تحليليًا افتراضيًا: كيف يمكن أن تتغيّر معادلات القوة والسلوك الأمني في الإقليم، ولا سيما في الخليج، إذا وقع تحوّل بنيوي في نمط الحكم داخل إيران؟ ما يقدّمه هذا التحليل ليس تقديرًا لاحتمالات السقوط، بل تفكيكًا لمخاطر سيولة الضبط الأمني التي ترافق أي تحوّل جذري، وكيف تتحوّل هذه السيولة—لا التغيير ذاته—إلى المصدر الأول لعدم الاستقرار الإقليمي.

منذ عام 1979، لم تتصرّف إيران بوصفها دولة قومية تقليدية بقدر ما عملت—في محطات عديدة – كمنظومة أمنية توسعية، بنت عمقها الاستراتيجي خارج حدودها، واعتمدت الردع غير المتناظر بدل المواجهة المباشرة، ووظّفت الجغرافيا – ولا سيما المجال البحري – كورقة ضغط في معادلات التوازن الإقليمي. لذلك فإن أي تحوّل محتمل لا يُقاس بتغيير القيادة وحده، بل بمدى إعادة تعريف منطق الأمن نفسه: ما الذي يُعدّ تهديدًا؟ وما سقف المخاطرة المقبولة؟ ومن يملك قرار استخدام القوة في لحظة ارتباك مؤسسي؟

أمنيًا، لا تتحدد نتائج التحوّل بمن يحكم فحسب، بل بتفاعل ثلاثة محددات متلازمة. أولها تماسك مؤسسات الدولة وقدرتها على الحفاظ على منظومات الضبط الإداري والمالي، وفرض السيطرة على الأطراف والسواحل بما يحفظ السيادة التشغيلية. ثانيها وحدة سلاسل القيادة العسكرية والأمنية، أو—على العكس—خطر تعدد مراكز القرار وما يستتبعه من حوادث غير مقصودة وسوء تقدير حتى في غياب نية عدوانية واضحة. ثالثها العامل الاقتصادي: هل تصبح طمأنة الأسواق والاندماج في الاقتصاد الدولي أولوية استراتيجية، أم يستمر توظيف اقتصاد الظل بوصفه أداة ضغط ومساومة؟ اختلال أي من هذه المحددات كفيل بتغيير السلوك الإقليمي، لأن الأمن في لحظات التحوّل لا ينهار دفعة واحدة، بل يتآكل تدريجيًا.

في هذا السياق، تمثّل المرحلة الانتقالية بؤرة الخطر الحقيقي. فحين تتآكل القواعد القديمة قبل أن تستقر قواعد جديدة، ترتفع احتمالات تعدد القرار الأمني، وتزداد الحوادث وسوء التقدير، وقد يغري تصدير الأزمة إلى الخارج باعتباره وسيلة لضبط الداخل أو تحسين شروط التفاوض. كما تُسيَّل أدوات الردع المصمّمة للمنع لتتحوّل إلى أوراق ضغط قصيرة الأجل. ويمكن توصيف هذه اللحظة بما يمكن تسميته «سيولة القوة الأمنية»؛ حيث لا تختفي القدرة، لكنها تفقد انضباطها المركزي، فتتزايد المفاجآت في غياب قرار استراتيجي واضح. المفارقة أن إيران، في مثل هذه اللحظة، قد تكون أقل قدرة على التنظيم، لكنها أعلى قابلية لإنتاج أحداث مربكة، وهي أسوأ بيئة ممكنة لدول الجوار.

وعلى خلاف الافتراض الشائع بأن ضعف المركز يؤدي تلقائيًا إلى خفض مستوى التهديد، تشير التجارب المقارنة إلى أن المراحل الانتقالية قد تنتج العكس. فحين تتراجع القدرة على التحكم المركزي دون أن تتلاشى أدوات القوة، يتحوّل المجال الأمني إلى فضاء رمادي تختلط فيه الحسابات الدفاعية بالمساومات السياسية، وتزداد احتمالات الاحتكاك العرضي. لا يعني ذلك بالضرورة اندلاع صراع مباشر، لكنه يرفع كلفة الاستقرار ويجعل الأمن الإقليمي رهينة لقرارات جزئية يصعب احتواؤها بسرعة.

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، لا يعني أي تحوّل إيراني محتمل زوال التهديد، بل تغيّر طبيعته. فعلى المدى المتوسط، قد تنكمش قدرة طهران على تشغيل ساحات متعددة وتتراجع فاعلية الردع غير المباشر، لكن على المدى القصير يتحول التحدي من خصم مركزي قابل للردع إلى بيئة تهديدات سيّالة أقل قابلية للتنبؤ. في مثل هذه البيئة، تصبح الجاهزية الدفاعية المتكاملة—بحرية وجوية وصاروخية—أدوات ضبط واستقرار أكثر من كونها أدوات تصعيد، ويغدو الردع الهادئ ضرورة استراتيجية، لأن الإفراط في الرد قد يعمّق السيولة بدل احتوائها.

ويظل مضيق هرمز المؤشر الأكثر حساسية في هذا المشهد. فالمضيق ليس مجرد ممر للطاقة، بل مقياس مباشر لقدرة السلطة الجديدة على الضبط والسيطرة، ورسالة سياسية تُقرأ فورًا في الأسواق والعواصم. سلطة تسعى إلى الاعتراف والاندماج ستعمل على تحييد المضيق وتقليل منسوب المخاطر وطمأنة الاقتصاد العالمي. أما سلطة قلقة—أمنية أو قومية—فقد ترفع مستوى التوتر المحدود لإثبات القدرة. في الحالتين، يشكّل المضيق الاختبار العملي الأول لطبيعة التحوّل ولنضج القرار، كما يعكس العلاقة بين السلطة الجديدة ومفهوم المسؤولية الإقليمية لا بمجرد امتلاك أدوات الضغط.

أما على مستوى الشبكات الإقليمية المرتبطة بإيران، فليس من المرجّح انهيارها الفوري، بل تفككها التدريجي. أمنيًا، يعني ذلك انتقال التهديد من ردع مركزي منضبط إلى لا مركزية التهديد؛ حيث يقل الوزن الاستراتيجي، بينما يزداد التشتت التكتيكي واحتمال العمليات الفردية غير المحسوبة. إدارة هذا النمط أصعب من احتواء خصم واحد، لأن المشكلة تتحول من ضغط منظّم إلى أحداث متفرقة يصعب احتواؤها بقناة واحدة أو خطاب واحد، ما يفرض على دول الجوار تطوير أدوات قراءة واستجابة أكثر مرونة.

جيوسياسيًا، سيستدعي أي ارتباك داخلي في إيران حضورًا دوليًا متزايدًا لحماية الممرات الحيوية ومنع الانهيار. غير أن هذا الحضور غالبًا ما يتخذ شكل تزاحم مصالح أكثر من كونه تنسيقًا فعليًا، ما يرفع مستويات عسكرة الإقليم ويزيد مخاطر الاحتكاك غير المقصود بين قوى كبرى تعمل على مسرح واحد. وفي مثل هذه البيئات، لا يصنع التصعيد قرار واحد بقدر ما يصنعه تراكم سوء التقدير وتداخل المهام.

من زاوية عملية، لا تكمن قيمة التقدير الأمني في التنبؤ، بل في قراءة المؤشرات: مدى انضباط سلاسل القيادة، تغيّر أنماط الحوادث البحرية عددًا ونوعًا، طبيعة الخطاب الاقتصادي، إعادة تموضع الأجهزة الساحلية، وتباين الرسائل الصادرة عن مراكز القرار. هذه المؤشرات لا تجزم بالمستقبل، لكنها تكشف اتجاه سيولة القوة الأمنية: هل هي في تصاعد أم في انحسار؟

في المحصلة، لا يكمن الخطر الحقيقي في سيناريو تحوّل محتمل داخل إيران، بل في ما يرافقه من تفكك مؤقت لمنظومات الضبط، وما ينتج عنه من سيولة أمنية تجعل الإقليم أكثر عرضة للحوادث من القرارات، ولسوء التقدير أكثر من الصدام المتعمّد. في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس القوة بقدرتها على الرد، بل بقدرتها على منع الانزلاق. وسيظل مضيق هرمز المؤشر الأكثر حساسية، ليس لأنه ممرًا للطاقة فحسب، بل لأنه اختبار عملي لمدى قدرة أي سلطة جديدة على السيطرة، ولقدرة الإقليم على إدارة الفراغ دون تحويله إلى صراع.

سؤال مفتوح :
هل يمتلك الإقليم أدوات إدارة سيولة القوة الأمنية، أم أنه سيُضطر إلى التعامل مع نتائجها فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى