
فرصة جديدة
ياسمين عبدالمحسن إبراهيم
المدير التنفيذي لشركة رواق الابتكار
مدربة في مجال اكتشاف وتطوير المهارات
مهتمة بمجال تطوير الأعمال
مع مطلع عام 2026، لا نحتاج إلى ضجيج القرارات ولا إلى قوائم طويلة من الوعود المؤجلة، بل نحتاج ـ قبل كل شيء ـ إلى هدوءٍ يشبه الفجر حين يتسلّل بلا استئذان، ويوقظ فينا الإحساس بأن الحياة ما زالت ممكنة، وبأن القلب لم يُخلق ليُرهق نفسه بتفسير كل ما حدث، بل ليشعر، ويطمئن، ويكمل الطريق.
لا نبدأ هذا العام ونحن نُراجع دفاتر الماضي صفحةً صفحة، بل ونحن نغلقها برفق، كما يُغلق المسافر حقيبته قبل الانطلاق. فبعض الطرق لم تكن أخطاءً، بل كانت ممرات إجبارية، تعلّمنا فيها معنى الانكسار، وقيمة الصبر، وحدود الاحتمال؛ لم نكن نعلم وقتها لماذا سلكناها، لكننا اليوم نعرف : لأن النسخة الحالية منا ما كانت لتولد لولا تلك المسافات الموجعة.
الحياة لا تطلب منا محاكمة ذواتنا عند كل منعطف، ولا انتظار تبرير لكل خسارة. أحيانًا، يكون العبور ذاته هو الجواب. الماضي، مهما حاولنا إيقاظه، يبقى صفحة أُغلقت بحكمة، وكل إصرار على إعادة قراءتها هو إنكار لحقنا في الحاضر. أما القادم، فليس وعدًا غامضًا، بل ترتيبًا إلهيًا دقيقًا، يتأخر حينًا ليُعطي أكثر، ويصمت أحيانًا ليُعلّمنا الإصغاء.
في هذا العام الجديد، لعل أجمل ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا هو أن نعيش اليوم كما هو، دون تزييف أو مبالغة. أن نلتقط الضحكة الصغيرة كمن يعثر على كنز، وأن نمرّ على اللحظة العابرة دون أن نثقلها بالقلق. القلق لصّ ماهر، يسرق منّا الآن بحجة الخوف من الغد، ويُقنعنا أن الاطمئنان ترف، بينما هو حق.
لا تلتفت كثيرًا لمن مرّوا في حياتك ثم غادروا، فليس كل عابر رسالة، وليس كل رحيل خسارة. قلبك ليس ساحة عامة، بل بيت صغير، لا يتّسع للجميع. اختر من يسكنه، واختر بعناية ما تحمله معك، فالأحمال الزائدة تُبطئ الوصول.
الأمور في حقيقتها أبسط مما نتصوّر، وأكثر ما نخشاه يذوب حين نهدأ، كظلٍ يختفي مع أول ضوء. دع هذا العام يكون مساحة للبساطة، للانبساط، للرحمة بالذات. ثق أن ما كُتب لك سيأتيك في وقته المحدد، لا متأخرًا ولا مستعجلًا، وأن دورك الوحيد هو أن تهدأ… وتعيش.
ليكن عام 2026 وعدًا خفيًا بينك وبين نفسك؛ أن تكون أرحم، وأهدأ، وأصدق في عيشك. لا تُجاهد الحياة أكثر مما يجب، ولا تُرهق قلبك بمحاولة السيطرة على كل شيء. سلّم أمرك بثقة، وامشِ بخفّة، فالأيام تعرف طريقها إليك، والخير لا يضيع حين يكون الله هو المدبّر. امنح نفسك فرصة أن تحيا بسلام، فالحياة حين تُعاش بهدوء، تُعطي أكثر مما نتوقع، وتفتح أبوابها لمن يأتيها مطمئنًا.












