أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

التنمر أزمة أخلاقية في غياب الوعي الاجتماعي وتجريم الفعل..

الدكتور/ سعيد بن عبدالله المعشري

مـستـشـار قـانـونـي

 

التنمر أزمة أخلاقية في غياب الوعي الاجتماعي وتجريم الفعل..

 

التنمر هي ظاهرة اجتماعية تقوم على سلوك عدواني يبديه الفرد أو مجموعة من الأفراد نحو غيرهم، وهي من أحد القضايا الاجتماعية المؤثرة سلباً في بناء الفرد والأسرة والمجتمع  على اعتبارها شكلاً من أشكال العنف المادي والمعنوي الذي يمارس بين الأفراد، لذلك فأن بروز هذه الظاهرة على الرغم من تطور وسائلها حديثاً فهي ليست وليدة الواقع المعاصر أنما هي نتاج ظهور التباين الطبقي والمعيشي في المجتمعات الإنسانية والنظرة الدونية للآخر التي افضى منها الى عنصرية بغيضة أدت الى تحطيم اشخاص في حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية وأيضا الى اضطهاد أقوام وشعوب وفئات على مر التاريخ.

فأن ممارسة التنمر له أشكاله العديدة قد يكون منها بدنياً كالضرب، أو اللكم، أو الركل، أو سرقة وإتلاف الأغراض، أو يكون لفظياً كالشتائم، والتحقير، والسخرية، وإطلاق الألقاب، والتهديد، أو اجتماعياً مثل: التجاهل أو الإهمال المتعمد للقيام بواجب نحو شخص معين، أو استبعاده، أو نشر شائعات تخصه، وقد تكون نفسية، مثل: النظرات السيئة، والتربص، والتلاعب بالمشاعر، أو إلكترونيا، مثل: السخرية والتهديد عن طريق الإنترنت عبر الرسائل الإلكترونية، أو الرسائل النصية، أو المواقع الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي.

وهناك أيضا من اشكال التنمر المبطنة ظاهرها المزح والمداعبة وباطنه الانتقاص واحتقار الآخر أو يكون للمتنمر وسيلة لمداراة نقصه الذي يشعر به بازدراء واحتقار الآخرين أو أن يكون من خلال ابراز أنه بمستوى أعلى وأسمى من الآخر أو صاحب مال أو جاه أعلى من الذي يخاطبه أو يقصده بالتنمر، فأن ارتكاب هذه الأفعال في واقعه يكون باعثه تحطيم الآخر أو احتقاره أو الغيرة مما يملك أو مما حققه من نجاحات أو انجازات، أو نظرة التعالي والدونية إلى الآخر.

أن ما أثبته العلماء والاطباء النفسيين للآثار النفسية والاجتماعية التي ينتج عنها التنمر التي قد يفضي بعضاً منها إلى القضاء على حياة وصحة المُتنمَّر عليه، ومن أهم هذه الآثار ايضاً انعدام الثقة بالنفس والاكتئاب النفسي الذي قد يصل إلى درجة إيذاء النفس أو الانتحار، والقلق والرهاب الاجتماعي أي الخوف من التعامل مع الآخرين، وانخفاض معدلات الأداء في الحياة وخاصة التحصيل العلمي، وحدوث اضطرابات في الشخصية قد تحول الشخص إلى مُتنمر أو مجرم كرد فعل داخلي تتولد عنه الرغبة بالانتقام من المجتمع.

أن بحسب احصائيات الأمم المتحدة فأن ظاهرة التنمر لا يقتصر القيام بها في الواقع على فئات سنية معينة من البشر وانما على جميع الفئات، إلا أن هذه الاحصائيات تشير إلى أن هذه الظاهرة في الواقع منتشرة بين صغار السن وخاصة طلبة المدارس، حيث أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف والتنمر في المدرسة في جميع أنحاء العالم بحسب ما بينته الاحصائيات المشار اليها هي بمعدل واحد من بين كل ثلاثة طلاب مرة واحدة على الأقل شهريا، وواحد من كل (10) يكونون ضحية للتنمّر الإلكتروني.

فإن لتدارك الآثار السلبية الوخيمة التي تترتب عن أفعال التنمر أولاً من خلال التوعية الاجتماعية والدينية، ويكون اجتماعيا بترسيخ قيم المجتمع بالعمل المشترك بتحفيز الافراد المبدعين والمبتكرين والتشجيع على التعاون والتكاتف بين الافراد والأسر من خلال مساندة الأسر المعوزة بالصدقة والتبرع والمساهمة في الأعمال الخيرية لهم وجعلهم لا يشعرون بالمن لمن تصدق أو تبرع لهم، وهذا يتأتى بتكثيف المناهج الدراسية بتوعية الطلبة عن أهمية ذلك وحثهم بالامتناع عن ارتكاب أي فعل يفضي إلى التنمر من الآخرين مهما كانت صفاتهم واوضاعهم الصحية والمعيشية والاقتصادية والحث على مساعدتهم ومؤازرتهم لا التنمر عليهم حتى لا يترتب للمتنمر عليه في زيادة بؤسه ومعاناته في الحياة.

وكذلك التوعية عن ما نهى عنه ديناً الإسلامي الحنيف من أفعال تدخل ضمن التنمر في قول الله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (سورة الحجرات الآية-11) وكذلك في قوله تعالى “الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (سورة التوبة الآية – 79) صدق الله العظيم، ومن ذلك يتبين أن أفعال التنمر تعتبر آفة تكرهها المجتمعات لهذا حث دينا الإسلامي الحنيف الابتعاد عنها ويكون شرعا يؤثم من يقوم بها.

إن القانون لم يجرم التنمر كفعل بذاته إنما يتم تجريمه إذا اجتمع مع أفعال أخرى شكلت جريمة بحد ذاتها مثل إهانة الكرامة والاعتداء، إلا أنه يُعاب على التشريعات العقابية لعدم تجريم أفعال التنمر في حالة عدم مصاحبتها لأفعال تشكل جرائم أخرى، فلا بد أن يتم معاقبة فعل التنمر بذاته دون شرط أن يجتمع مع أفعال أخرى تشكل بذاتها جريمة أخرى، وإن اجتمعت معا يجب أن تصنف كجريمة مستقلة بأفعالها كتوجيه اللفاظ تنتقص من قدر الآخر دون أن تكون هذه الالفاظ توصف بأفعال الإهانة كالاحتقار مما يملك الآخر أو معايرته بفقره ومستواه الاجتماعي والمعيشي أو الاعتداء عليه بقصد الحط من قدره لا تصل الى حد أفعال جريمة الاعتداء أو جريمة أخرى.

وأخيراً .. علينا أن نكون واعين ومؤمنين أن الله عز وجل خلقنا أسوياء ونهانا عن نبذ بعضنا البعض، فإن البشر خلقهم الله مختلفين في صفاتهم وأشكالهم وأرزاقهم؛ فهو كما أعطى قادر أن يأخذ ما أعطى في لحظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى