أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أيهما أجدى .. خطبة الجمعة أم قانون رادع؟؟..

زاهـر بن حارث المحروقي

إعـلامـي وبـاحـث

 

أيهما أجدى .. خطبة الجمعة أم قانون رادع؟؟..

 

يوحي اختيار موضوع خطبة الجمعة في تركيا في الأول من سبتمبر الحالي بأنّ هناك رغبة رسمية تركية لوقف العنصرية ضد العرب واللاجئين، بعد أن تفاقمت وسبّبت خسائر كبيرة لتركيا. فقد خصّصت رئاسة الشؤون الدينية التركية، الخطبة ضد العنصرية والعرقية، وعمّمتها على جميع مساجد تركيا، مع التذكير بأنه «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي [إلا بالتقوى].. إنما المُؤمنون إخوة، فهم لا ينسون مبدأ فرديّة الجريمة، ولا يُعمّمون الجريمة، على عرق، أو دين، أو طائفة».

وتعميمُ خطبة كهذه، يفتح مجالًا للنقاش: هل ستكون النتائج إيجابية؟ وهل ما زال للخطب – أصلًا – تأثيرٌ على الناس، حتى تثني العنصريين عن أفعالهم؟ وهل يمكن أن تكون عبارة «إنما المُؤمنون إخوة» التي ترددت في منابر تركيا بديلًا عن القوانين؟.

والإجابة في نظري هي أنه لا يمكن أن تكون تلك العبارة، ولا كلّ تلك الخطب، بديلًا عن القوانين العقابية الصارمة، بعد أن دفعت تركيا الثمن، مثلما دفعه اللاجئون العرب وغيرهم؛ فالتقارير تتحدّث عن خسارة تركيا لمليار دولار خلال الشهرين الماضيين، نتيجة تراجع السيّاح العرب عن اختيارها كوجهة سياحيّة، فيما ألغيت حُجوزات قُرابة 60%، مما استوجب إيجاد حُلول رادعة لها، قبل أن يفقد الاقتصاد التركي أحد مصادره الرئيسية التي يعتمد عليها، وهو الذي يُعاني أصلا من التضخّم بنسبة 38%، وتراجع الليرة التركية 20% أمام الدولار، وهذا ما أشارت إليه صحيفة «تركيا» التي أكّدت «أنّ التحريض العنصري المُفتعل من قِبَل بعض الأشخاص والأحزاب ضد العرب، تسبّب في ضربة موجعة للاقتصاد خلال آخر شهرين، وأنّ الإجراءات الرسمية التي اتخذتها السلطات ضد الهجرة غير النظاميّة، أثّرت أيضًا على الحركة الاقتصادية بشكل سلبي».

ومن التعليقات ذات المغزى، ما قاله الكاتب الصحفي التركي إسماعيل ياشا، الذي اعتبر أنّ خطبة الجمعة عن خطر العنصريّة وموقف الإسلام منها كانت في الاتجاه الصحيح، لكنه لفت إلى «أنّ مُعظم العنصريين لا علاقة لهم بالمسجد ولا بالخطب، بل بعضهم يُعادُون الإسلام تحت قناع العنصرية، وبالتالي فإنّ الخطوة الضروريّة هي تطبيق عقوبات رادعة على جرائم العنصريّة، مع استمرار حملات التوعية».

وإذا كان علي يرلي كاي وزير الداخلية التركي قد تحدّث عبر قناة «الجزيرة» عن خطوات وحملات بلاده ضد «الأجانب»، قائلًا إنّ حُكومة تركيا لا يُمكن أن تسمح بانتشار العنصرية وكراهية الأجانب في المُجتمع، إلا أنه لم يُنكر حملات الترحيل ضدّ اللاجئين، ولم يتحدّث عن تشريع قوانين جديدة صارمة لمنع العنصريّة ضد العرب، واكتفى بالقول: «إنّ المدّعين العامّين يُتابعون الخطاب العنصري في إطار القانون، وإنه لا مكان للعنصرية والكراهية في تاريخ وثقافة ومُعتقدات الأتراك»؛ مما حدا بالكاتب خالد الجيوسي في صحيفة «رأي اليوم» للقول «إنّ رد الوزير التركي لم يكن كافيًا ومُقنعًا في تفنيد أو تكذيب الحملات المُتناسلة ضد العرب، التي وصلت لترحيل سائح مغربي، وأخرى جزائرية إلى الشمال السوري «قسْرًا»، لاعتقاد تلك السلطات بأنهم سوريون».

إنّ العنصرية البغيضة، بقدر ما أضرت باللاجئين أضرت بتركيا أكثر، وإذا لم تكن هناك قوانين صارمة تنظم العملية برمتها، فإنّ مليون خطبة لن تنفع في شيء؛ فهناك أرواح أزهقت، وأبرياء سجنوا، وأصحاب ممتلكات أضيروا في ممتلكاتهم وتجارتهم، ونساء تفرقن عن عائلاتهن وأبنائهن، وغيرها من المآسي.

والسؤال الآن : ماذا لو اتخذت الحكومة التركية الحزم وعدم التساهل في تطبيق القوانين ضد العنصريين؟ ماذا لو طبقت القانون وأنزلت العقوبة المناسبة على المخالفين؟ فمن طبيعة الناس أن يزدجروا بالقوانين أكثر من النصوص الدينية، وقد تكون هذه صفة الغالبية منهم. ولنا مَثَلٌ في عُمان وقت جائحة كورونا، فلو أنّ الحكومة لم تتخذ إجراءات مثل الإغلاق وغيرها، واعتمدت فقط على التوجيه عبر المنابر، كنا قد شاهدنا أضعاف الضحايا؛ فهناك من يخشى العقوبة العاجلة أكثر من الآجلة، ويؤلمه تطبيق القوانين والغرامات أكثر من أيّ شيء آخر. لذا، فإنني لا أتصور أنّ خطبة الجمعة ستُوقِف ما يتعرّض له العرب في تركيا، إذا لم تكن هناك قوانين وتشريعات عقابيّة رادعة، فيكفي أنه في فجر يوم الجمعة يوم الخطبة نفسه، نقلت الصحف التركية حادثة عنصرية تعرّض لها شاب سوري، انتهت بإطلاق النار عليه من قبل جاره التركي فأرداه قتيلا.

الذي يبدو أنّ تطبيق القول المأثور: «إنّ الله يَزَع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، أجدى من إلقاء الخطب التي لا يتفاعل معها الناس. وحينئذ؛ أي حين تطبق القوانين العادلة على الجميع، ستتوقف الاعتداءات العنصرية، وسيستعيد السياح العرب ثقتهم في تركيا ومدنها الجميلة، التي كانت في الأمس القريب وجهتهم السياحية المفضلة، وكثيرٌ منهم امتلك فللا وشققا فيها.

* تم نشر المقال بموافقة الكاتب ، ونقلاً عن جريدة عـمان عدد الإثنين 11 سبتمبر 2023م..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى