
الشوجر دادي .. أزمة قيم أم أزمة رجال ؟!
خالـصـة الصـلتـية
لم تعد قضية تفكك الاسرة اليوم نتاج خلافات بسيطة او ضغوط سطحية يمكن تجاوزها، بل باتت ترتبط بظواهر جديدة تجرح النسيج الاجتماعي وتعيد تشكيل مفهوم الرجولة والابوة في اذهان الاجيال. ومن بين هذه الظواهر تبرز ظاهرة الشوجر دادي بوصفها مثالا فاضحا لعمق انحدار اخلاقي يهدد أهم القيم التي قامت عليها الاسرة والمجتمع. فخلف هذا المصطلح المستورد تقف حكايات موجعة لرجال تقدموا في العمر وتراكمت على أكتافهم سنوات التجربة والمسؤولية، ثم عادوا إلى هوس المراهقة واختاروا أن ينسلخوا من نضجهم ليلهثوا خلف فتيات في عمر بناتهم، يشترون وجودهن بالمال والهدايا والمزايا لقاء اهتمام مزيف لا يتجاوز سطح اللحظة.
هذه العلاقات، على ما فيها من بريق زائف، تكشف في جوهرها فراغا داخليا يحاول البعض تغطيته بأي شكل، خوفا من مواجهة الذات او مواجهة العمر. فالرجل هنا لا يبحث عن الحب، ولا يسعى وراء عاطفة حقيقية، بل يحاول ان يعثر على مرآة تكذب عليه وتمنحه شعورا مؤقتا بأنه ما زال مرغوبا ومهما. والحقيقة انه، في نظر المجتمع، يتحول تدريجيا الى موضع ازدراء لا الى موضع اعجاب. فالناس، مهما صمتوا، يرون السقوط بوضوح، ويقرأون فيه هشاشة لا وهجا، وانحدارا لا انتصارا.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل نحن امام ازمة قيم ام ازمة رجال؟ ام اننا امام انهيار متجذر يبدأ من الداخل ويكتمل في السلوك الخارجي؟
الرجل لا يتحول الى شوجردادي بين ليلة وضحاها؛ بل يبدأ سقوطه من الداخل، حين يتخلى عن احترامه لنفسه ودوره كاب وزوج وقدوة. يترك مسؤولياته خلفه، ويهرب نحو علاقة قائمة على المصلحة لا على المودة، وعلى الفراغ لا على النضج. علاقة قصيرة المدى، لكنها تترك ندوبا طويلة في الاسرة التي تتشقق ببطء تحت وقع الخذلان.
غير ان هذا السقوط لا يحدث في فراغ، ولا يمر دون ان يترك ندوبه في أعمق نقطة في البيت؛ فهناك امرأة تقف على الجهة الاخرى من المشهد، تتلقى ارتدادات هذا الانهيار بكل ثقله. سنوات من المشاركة والصبر تتلاشى امام نزوة آنية يقايض فيها الرجل استقرار بيته مقابل علاقة لا تتجاوز حدود الاستهلاك العاطفي. انها خيانة تمس كرامتها، وتعيد تشكيل صورتها عن نفسها، وتخلخل ايمانها بفكرة الشراكة نفسها.
واما الابناء، فهم الخسارة الصامتة في المشهد؛ يتألمون دون ان يملكوا القدرة على التعبير او السؤال. الابنة التي ترى والدها في علاقة مع من تقارب عمرها تفقد احساس الامان من جذوره، وتكبر داخلها اسئلة لا تجد لها اجابات. والابن الذي يرى والده يتعثر اخلاقيا يفقد النموذج الاول لمعنى الرجولة، ويتعلم – بشكل مؤذ – ان القيم قابلة للانهيار اذا ضعفت النفوس.
والمجتمع بدوره يتورط في تعميق هذه الازمة حين يتعامل معها بتهاون، او يعتبرها حرية شخصية، او يتغاضى عنها تحت مسمى الخصوصية. الصمت هنا ليس حيادا؛ انه تمييع للقيم، وتسهيل لانحدار اخلاقي يتسع بمرور الوقت. فحين يتحول السقوط الى مادة للضحك والتسلية، يفقد الخطأ هيبته، وتتكسر الحدود الاخلاقية التي كان يجب الا تُمس، ويصبح الانحراف قابلا للتبرير، وتضعف مكانة الاسرة كأهم مؤسسة في بنية المجتمع.
ولمواجهة هذه الظاهرة، لا يكفي اللوم ولا الاستنكار؛ فالأزمة تتطلب قرارات وإجراءات، وما نواجهه يحتاج الى خطوات واضحة وشجاعة، لا الى ردود أفعال وقتية. من بينها تشديد التشريعات التي تردع الاستغلال العاطفي والمالي، وتوفير حماية قانونية عاجلة للزوجات والابناء المتضررين، وتعزيز دور لجان الاصلاح الاسري في التدخل المبكر. كما يحتاج المجتمع الى حملات اعلامية صادقة تضع الصورة الحقيقية امام الناس، وتنهض بالوعي العام تجاه خطورة الظاهرة، بعيدا عن التزيين او السطحية.
وعلى مستوى اشمل، فان تمكين الفتيات اقتصاديا وتعليميا، وتوفير برامج تربوية في المدارس والجامعات تعزز الوعي العاطفي وحدود العلاقات السليمة، يشكلان جزءا مهما من الوقاية. كما ينبغي اعتماد مدونات سلوك في المؤسسات العامة والخاصة لضمان الحد من السلوكيات التي تسيء للاسرة او تضر بسمعة الفرد وتوازنه الاجتماعي.
في النهاية، الشوجردادي ليست مجرد نزوة، وليست علاقة عصرية كما يتوهم البعض، وليست بحثا عن حب. انها ازمة قيم، وازمة رجال، وازمة مجتمع اذا لم يواجهها بشجاعة فسيدفع ثمنها جيلا كاملا يفقد ثقته بمعنى الرجولة والابوة والاستقرار. الرجل الذي يهدم بيته من اجل فتاة صغيرة لا يستعيد شبابه، بل يفقد كرامته. ولا يكسب حياة جديدة، بل يخسر حياته القديمة دون ان يجد البديل.
والقيم لا تسقط دفعة واحدة؛ انها تتهاوى حين يتوقف الناس عن الدفاع عنها، وحين يصبح الخطأ مقبولا، وحين يصمت المجتمع امام ما يجب ان يرفضه. وحين تنهار قيمة مثل مقام الابوة، ينهار معها ما هو اكبر: تماسك الاسرة، وثقة الابناء، وصلابة المجتمع كله.










