
اتساق المدرسة مع المجتمع : قراءة في فلسفة جون ديوي التربوية
الدكتورة سلوى سليمان
خبير تربوي، واستشاري اكتشاف ورعاية موهوبين
إذا ما عدنا إلى فلسفة جون ديوي التربوية ؛ فإننا نرى أن آراءه الاجتماعية في التربية تقوم على عدم إمكان تواجد نوعين من المبادئ الأخلاقية، تختص إحداهما بالحياة في المدرسة، والأخرى بالحياة خارجها؛ لأن السلوك وحدة لا تتجزأ.
ويتجلى ذلك فيما عبر عنه ديوي بقوله: «يلزم أن نجعل في كل مدرسة من مدارسنا حياة إجتماعية مصغرة، أو حياة إجتماعية فعالة بأنواع مهنها التي تعكس حياة مجتمع أكبر، فعندما تقدم المدرسة كل طفل إلى عضوية المجتمع وتدربه، تجعله يتشرب روح الخدمة وتجهزه بأدوات التوجيه الذاتي الفعال.»
وجوهر فلسفة جون ديوي التربوية تكمن في تصريحه بأن المدرسة يجب أن تعكس أو تكون مرآة عاكسة للحياة الإجتماعية، بمعنى على المدرسة أن تكون مجتمع مصغر داخل المجتمع الكبير الحقيقي، فهي تندرج ضمنه (داخله) وليس خارجه، هذه المدرسة يجب أن تحتوي كذلك على حياة إجتماعية فعالة، والفعالية هنا لدى ديوي تشير إلى معيار الفائدة، وهذا المعيار هو ما يميز التيار البراغماتي الذي ينتمي إليه، إذن فالمدرسة بوصفها مجتمعاً مصغراً تعكس حياة المجتمع الأكبر، وبالتالي تصبح العلاقة بين المدرسة والمجتمع علاقة تناظم وتداخل وتكامل وإنسجام.
وهنا تتجسد المدرسة كشخص يعمل على دمج الأفراد في المجتمع العام، بعد أن عاشوا تجربة المجتمع الخاص داخلها، كما تجعل من المتعلم طموحاً للعمل والتضحية والفداء لأجل المجتمع، الذي يشكل منزله الكبير، كما تجهزه بوسيلة التعليم الذاتي، أي تعمل المدرسة على غرس مبدأ التعليم الذاتي لدى المتعلمين، حيث بمجرد مغادرتهم المدرسة، تتيح لهم إمكانية التعليم الذاتي والإنغماس داخل المجتمع الأكبر، بل تجعل الفرد لا يشعرحتى بالفارق بين المدرسة والمجتمع، ومن هنا نجد المدرسة والمجتمع متساويين لدى جون ديوي ولا يمكن الفصل بينهما.
ويضيف جون ديوي معلقاً على ذلك بقوله: (إن المدرسة لا يمكن أن تكون إعداداً للحياة الاجتماعية إلا إذا قدمت، من داخل نفسها، ظروفاً مماثلة تماماً للحياة الاجتماعية…وإن الطريق الوحيد للإعداد للحياة الاجتماعية هو بالذات ممارسة الحياة الاجتماعية نفسها)
ومن زاوية أخرى تفطن ديوي إلى أن البيئة يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تطور العقل لدى الإنسان، كما أنها تؤثر في سلوكه وخلقه وعوائده، فرداً كان أو جماعة. وعلى سبيل هذا المقتضى، لا قطيعة بين التربية والمحيط الخارجي الذي تتعامل معه.
وفي هذا الصدد يقول ديوي: (لقد نما إلى علمي أنه قد أنشئت في مدينة شيكاغو مدرسة للسباحة يتدرب فيها الشبان على العوم دون أن ينزلوا إلى الماء، ويقوم التعليم فيها على أساس تكرار التمارين على مختلف الحركات الضرورية للعوم، وعندما سئل أحد هؤلاء الشبان الذين دربوا على هذه الطريقة عما حدث له عندما نزل إلى الماء، أجاب باختصار أنه غطس..)
ويبدوا ديوي من خلال هذه المقولة مركزاً على ضرورة الحرص على التعليم العملي وعدم الإغراق في فضاءات التجريد، والحرص على توثيق الصلة والعلاقة بين التربية والواقع الاجتماعي. فالمدرسة لا يمكنها أن تكون إيجابية بالنسبة للحياة الاجتماعية إلا إذا قدمت من ذات نفسها، ظروفاً مماثلة تماماً لتلك الحياة الاجتماعية. مما جعل ديوي يُلح على ضرورة إدخال المفاهيم الاجتماعية للمدرسة، وبناء دعائمها وقواعدها على الوظيفة الاجتماعية. وتعتبر هذه الفكرة التي دعا إليها ديوي خطة نافعة للعمل، ينتج عنها علم شديد الفعالية للتربية، وبذلك تنصهر كافة المفاهيم النفسية والاجتماعية والتربوية في فلسفة عامة سماها فلسفة الذرائع.
وفعلياً .. لقد كانت المدرسة تحتل مكانة كبرى وراقية بالنسبة لجون ديوي؛ لأنها في نظره وسيلة فعالة للتقدم الاجتماعي لكونها تشكل حلقة وصل بين المعلم والطالب هذا من جهة، ومن جهة أخرى التقدم الذي يحرزه التلميذ في نجاحه الدراسي،ونموه العقلي والجسدي معاً، حيث يعتبرها مجتمعاً صغيراً يمتد إلى المجتمع الكبير، ولكنها تصبح مزيفة إذا أرادت أن تخلق للطفل مجتمعاً مختلفاً عن مجتمعه الحقيقي القائم؛ لأن مثل هذه المدرسة تجعل الطفل يصطدم بواقعه المعيش، بالأفكار والسلوكات والمبادئ التي تلقاها وتشبع بها أثناء تعلمه، وهنا تكمن الخطورة في نظر ديوي، وعلى هذا الأساس، فلكي تكون المدرسة مثالية وتكون رسالة أخلاقية حقيقية يقتضي ذلك أن تكون صورة حقيقية للمجتمع القائم؛ فحينما تهيئ المدرسة كل طفل إلى عضوية المجتمع، وتمرّنه داخل مجتمع صغير من هذا النوع فتجعله يتشرب العلم والأخلاق، وتجهزه بأدوات التوجيه الذاتي الفعّال.
وفي الأخير .. لم ينظر ديوي إلى المدرسة باعتبارها مكاناً لنقل المعارف أو تلقين الحقائق بل رآها امتداداً طبيعياُ للحياة الاجتماعية ذاتها ومجتمعاً حياً تتشكل فيه الخبرات ،وتُبنى القيم، ويتعلم فيه المتعلم كيف يعيش مع الآخرين.
فالتعليم عند ديوي ليس إعداداً للحياة المستقبلية، بل هو الحياة نفسها في صورتها الأولى، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع الخبرة الجماعية داخل إطار اجتماعي ديناميكي.
ومن هذا المنطلق تصبح المدرسة مجتمعا مصغرا يعكس فيم المجتمع الأكبر ويعيد في الوقت نفسه تشكيله عبر ممارسات تربوية قائمة على التفاعل، والديمقراطية، والعمل المشترك، فيكون لنا حينذاك أعمق وأحسن ضمان لمجتمع أكبر ذي قيمة مضافة ،وحافزية مستدامة.










