بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

كيف وازنت سلطنة عُمان بين حماية شعبها وإغاثة العالقين؟

الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات

 

 

في أوقات الأزمات والحروب، تميل الدول عادةً إلى التركيز على حماية أراضيها ومواطنيها. لكن سلطنة عُمان تقدم نموذجًا آخر مختلفًا يجمع بين البعد الإنساني والدبلوماسي المنظم.

مع استمرار الحرب على إيران وما يترتب عليها من تداعيات على المدنيين العالقين سواء من مواطنيها أو من جنسيات أخرى، أعلنت السلطنة عن مبادرة بروتوكولية إنسانية تهدف إلى تسهيل عودة العالقين إلى أوطانهم، بما يتوافق مع إمكانياتها وظروف الحرب، بغض النظر عن الجنسية، مؤكدة أن الإنسان يظل أولوية قبل أي اعتبار آخر.

ويتم تنفيذ هذه المبادرة مع الحرص التام على أمن المواطنين داخل سلطنة عُمان، وعلى الرغم من استهداف بعض المواقع العُمانية، مما يعكس قدرة الدولة على إدارة التوازن بين حماية شعبها والوفاء بالتزاماتها الإنسانية الدولية.

ما يميز هذا النهج هو التنظيم والدقة في التنفيذ. فالمبادرة لا تقتصر على تقديم المساعدة المادية أو اللوجستية، بل تشمل تنسيقًا رسميًا مع السفارات، والجهات المختصة، والسلطات الدولية لضمان عبور آمن للعالقين، وتسهيل وصولهم إلى الوجهات التي يختارونها وفق رغباتهم وحقوقهم. هذه الإجراءات البروتوكولية تضمن ألا يتحول الإنسان إلى ضحية ثانية للصراع، وأن تتم الرحلة بأمان وكرامة كاملة.

سلطنة عُمان، التي عُرفت تاريخيًا بدبلوماسيتها المتوازنة ودورها في تهدئة التوترات الإقليمية، تؤكد من خلال هذه المبادرة أنها قادرة على الجمع بين الالتزام بالقانون الدولي والإنسانية العملية.

فالعملية تتطلب تنسيقًا دقيقًا يشمل جوانب عدة. وقد كانت المنافذ البرية ومطار مسقط الدولي شاهدة مباشرة على هذا الجهد المنظم والإنساني، وهو ما يعكس اهتمام السلطنة العميق بالجانب الإنساني إلى جانب التزامها بالمعايير الدولية.

هذه الخطوة البروتوكولية لا تعكس فقط القيم الإنسانية، بل تعزز أيضًا السمعة الدولية للسلطنة، إذ تظهر أن قوتها لا تقاس فقط بالقدرة على إدارة الأزمات داخليًا، بل أيضًا بالقدرة على التعامل مع آثار الحروب الإنسانية بطريقة منظمة ومسؤولة. المبادرة تقدم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه المسؤولية الإنسانية للدول في أوقات الأزمات: استجابة فعالة، شفافة، ومحترمة للكرامة الإنسانية.

من منظور أوسع، تعكس المبادرة فهمًا متقدمًا لطبيعة الحروب الحديثة، التي لم تعد محدودة في مكانها، بل تمتد تأثيراتها لتشمل شعوبًا متعددة خارج حدود الدول المتصارعة. وبالتالي، فإن التعاطي الإنساني يتطلب آليات بروتوكولية دقيقة تتيح نقل المدنيين بأمان، بعيدًا عن أي معاناة إضافية.

في الختام، تقدم سلطنة عُمان نموذجًا حيًا يجمع بين الإجراءات الإنسانية والبروتوكولية الرسمية، من خلال تسهيل انتقال العالقين إلى أوطانهم أو أماكن إقامة مناسبة لهم، مع مراعاة رغباتهم وكرامتهم. وهي رسالة قوية للعالم: أن الإنسانية يمكن أن تكون سياسة رسمية وفاعلة، حتى في أوقات الحروب والصراعات، وأن حماية الإنسان تتجاوز الحدود والجنسية لتصبح أولوية قصوى.
وعلى الخير نلتقي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى