
“حين يَعمى البصر… وتُبصر القلوب”
فؤاد شمص
المحترف الحقيقي لا يُرهق النص بقراءاتٍ متكرّرة ولا يخنق إحساسه بكثرة التحضير. فهو لا يريد أن يتحوّل إلى آلةٍ مُبرمجة، ولا إلى ذكاءٍ اصطناعي يفتقر إلى شرارةٍ لا يملكها إلا الإنسان: الإحساس.
لقد وُهبنا عقلًا، نعم… لكننا وُهبنا قبل العقل قلبًا، والفارق بينهما أن القلب يُلهم، بينما العقل — إن تُرك بلا تهذيب — يُرهق ويُضلّ.
المؤدي المحترف حين يستلم نصًا لا يطلب إلا ما يحفظ للنص لغته وصياغته، وما يساعده على النطق السليم. أما بقية الرحلة… فيسلمها للإحساس. فهو يعلم أن الصوت لا يكتمل بالعقل وحده، وأن المعنى لا يتفتح إلا حين يقوده الشعور، لا حين تُجرّه الأفكار.
فالكفيف يرى بإحساسه، والمبصر كثيرًا ما يعمى حين يعتمد على عقل لم يتعلم أن يصمت.
تأمّل طريقًا يستغرق ساعة من السير…
إن تركت عقلك حرًّا، سيملؤه بالأوهام:
الطريق طويل…
ستتعب…
سيعترضك كلب…
قد تلتقي بمجنون…
ستتعرّق…
ستتأخر…
فتصل إلى البيت منهكًا كأنك قطعت ثلاثة أضعاف المسافة.
لكن إن قطعت نفس الطريق وأنت منشغل بمكالمة، تجد أنك وصلت وكأنك لم تمشِ إلا عشر دقائق.
لأن العقل حين يُشغَل، يهدأ… وعندما يهدأ، يترك للجسد وإحساسه أن يقوداه.
وهنا نصل إلى الحقيقة التي يغفل عنها الكثير:
العقل ليس عدوًا… لكنه طفل.
إن غذّيته بالخوف… كبر الخوف.
إن غذّيته بالريبة… نبتت الريبة.
إن غذّيته بالتردد… انطفأت خطواتك قبل أن تبدأ.
لكن إن غذّيته بالتفكر… بالتأمل… بالحكمة…
صار العقل مرآةً صافية، يرى بها الإنسان الطريق كما هو، لا كما يتخيله.
العقل — مثل العين — قد يُصاب بالعمى.
والبصيرة — مثل القلب — قد تُفتح لمن أحسن تغذية فكره.
ولهذا قيل:
قل لي بماذا تغذّي عقلك… أقل لك هل لديك عمى أم بصيرة.
فمن تَشرّب وهم الخوف عاش بصره مفتوحًا وبصيرته مطفأة.
ومن غذّى عقله بالتأمل، صار يرى ما لا تراه العيون.
يا صديقي… لم يبقَ لنا سوى الإحساس.
لقد أصبح الإنسان يبحث عن هاتفه وهو في يده،
ويسمع عن مجزرةٍ ولا يتحرك في صدره رمش شعور .
إلى أين نمضي ونحن نفقد أبسط ما يجعلنا بشرًا؟
لا أحد يعلم…
لكن المؤكد:
من فقد إحساسه فقد طريقه، ولو أنار العالم كله أمامه.











