بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

خبايا احتضان.. مشاعر شاردة بين ريفين  ..!

هيام سلوم 

 

يقول كارل يونغ : العقل البشري ينسج سرديته حول ما تكرره المرايا من حوله .. فلو أخبرت الطفل ألف مرة أنه “كسول” سيصدق أن الكسل هو جذر وجوده.

في أعماق غابات الكاميرون توجد قبيلة تتبع طقساً غريباً عندما يخطئ أحد أفرادها بدلاً من العقاب يُحاط المخطئ بدائرة بشرية لمدة ثلاثة أيام، ويقوم أفراد القبيلة بتذكيره بصفاته الإيجابية وإنجازاته .

“أنت شجاع عندما دافعت عن القبيلة”
“أنت كريم عندما قسمت طعامك مع الجائعين”
“أنت حكيم عندما أنهيت النزاع بين العائلات”

حسب رأي الحكماء: “الخطيئة تعالج بذكر الفضيلة، لا بجلد الجسد” فلا يوجد إنسان شرير يوجد إنسان لم يذكر بقداسته منذ وقت طويل في عالم يعاقب بالحرمان والفضيحة، كُنْ كتلك القبيلة اجعل كلماتك إبرة تخيط بها الجروح لا سكيناً توسعها.

منذ طفولتي أحببت عيشة البدو الرُّحل المتنقلة ، وبساطة الأرياف وطيبة أهلها ، وكم كنت أحسد من يسكن خيم الصحراء ، ويشتم  هواءها ،  ويسمع ثغاء خرافها ،  وصهيل خيولها وعواء ذئابها  ، كنت أحلم بأن أعيش بتلك الخيم ولو لليلة واحدة ،  كان ما يشبه هذا الحلم.

عندما زرنا  عام ٢٠٠٣ أسرة من أرياف مدينة النواعير (حماه)، حيث كانت تجمعنا بهم صلة فكر وصداقة قوية ، كانت الصدفة أننا زرناهم  في الصيف حيث الحرارة المرتفعة هناك كانت المفاجأة الجميلة ،  إذ كانت الأسرة في الصيف تلتحف السماء وتنام على أسطح البيوت ، ينصبون شيئاّ يشبه الخيام على سطوح منازلهم ، لكل مجموعة خيمة خاصة ، تكون أسرَّتهُم مفترشة الأرض النظيفة.

خيمٌ  تكللت بالبياض لتتقي شرَّ البعوض ، الذي ينتشر بكثرة على ضفاف نهر العاصي كانت متعتي تفوق متعةَ طفلي اللذين لم يتجاوزا الخامسةَ من عمرهما وكم بدا الأمر لي غريباً في البداية ، وممتعاً وجميلاً ، بعدما تمددنا على الأرض ،  التي افترشت بحصيرة من القش ،  يعلوها سماكة من الإسفنج تعادل سماكة مفرش النوم ، تحت سقف تلك الخيمة التي كانت مرٱة لضوء القمر الساهر ونجومه لا فاصل بينهما إلا خيوط من الضوء.

كانت فرحتي عارمة  بتلك الليلة التي قضيناها في تلك الخيمة ، كنتُ أشرد في سقفها الذي يتخلله خيال  ضحكات  القمر الذي يخاصر نجوم الليل ، وصوت  زكازيك التين  وكل ما في المحيط من أجواء خلابة حالمة .

بعد قرابة عقدين من الزمن أعيش ما يشبه تلك الرحلة في الريف الروسي الجميل الممتع . لكن هنا الريف مزروع بالبيوت الخشبية لا  بالخيام إذ تنتشر تلك  بجمالية رائعة  تتكأ على تخوم من الثلج افترشت دروبها وأختبأت في ظلال شجرها بيوت خشبية متعثرة بالثلج.

في زيارة لأحد الأصدقاء في بيتهم الريفي الخشبي الصغير الذي يحوي كل مستلزمات العيش التي نادرا ما يسكنوها لشدة البرودة  الأكثر قسوة إذ يرتادونها في أيام العطل .

في الطريق  إلى هناك لفتتني ظاهرة الغناء التي تتوزع بين بقعة وأخرى حيث تجتمع الأسرة او مجموعة فتيات وتعزف إحداهن والأخريات يرقص ويغنين بفرح واضح كأنها طقوس عبادية لا ترويحية بل مهرجانات ومسارح وثقافات ريفية تضفي جمالية على المشهد.

إضافة إلى النساء اللواتي يطبخن على مدافىء من الحطب في أحضان الثلج منظر آثر ساحر مع هدوء لا تسمع فيه إلا صوت الطبيعة وصوت فؤادك  المأخوذ  بالمشهد .

كم تمنيت أن تكون َ أسرتي التي طوقها الخوف والحصار في ظل حرب شعواء في ساحلنا السوري أن تكون برفقتي . أمل من الله أن نجتمع  في ليلةٍ قمرية على بساط من المحبة ، أشتاق إلى لمة للأسرة السورية كلها تحت سقف أمان وسلام لا قتل ولا ذبح ولا خوف . أحاسيس تغلغلت بدعواتي التي شهقت على شكل تراتيل لحضن وطن أمن .

‏يقول الكاتب الروسي فيودودوستوفسكي في ( رواية الجريـمة والعقاب ) : كل الذين أحبوني وأحببتهم كنت أنا دائماً الطرف الأكثر حُباً لهم أقصُد أنني ورغم قدرتي الضعيفة على التعبير لكنني أُقدم أشياء صادقة ربما لا يعرفون قيمتها إلا بعد نهاية علاقتنا !
هم رائعون في البداية كالجميع كلهم رائِعون في البدايات الردود الطيبة، والشغف .

أما عني فكُنت دائماً أبحث عما هو بعد هذه الخطوة.
فقط البدايات رائعة في كل شىء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى