
قصة المرأة التي رفضت مصافحة المسؤول.. موقف بسيط أدهش الجميع
الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات
نبدأ فقرات هذا المقال بحكاية قصيرة في إحدى الندوات الدولية التي احتضنتها مسقط قبل سنوات، تذكرت موقفا حصل امامي، كانت إحدى المشاركات في التنظيم – وهي أكاديمية عربية معروفة – تقف عند مدخل القاعة ترحّب بالحضور. تقدّم إليها أحد كبار المسؤولين ليلقي التحية، فمدّ يده مصافحًا على عادته في الاستقبالات الرسمية، ابتسمت السيدة بهدوء، وضعت يدها اليسرى على صدرها، وقالت بلطف: “أعتذر، معاليكم… ثقافتي لا تتيح لي المصافحة، ويسعدني أن أحييكم بهذه الطريقة”، توقّف المسؤول لحظة، ثم ردّ التحية بانحناءة رأسية خفيفة ووضع يده على صدره قائلاً: “كل الاحترام لكم البروتوكول يبدأ من احترام خصوصيات الآخرين”.
ابتسمت الأكاديمية وواصلت الترحيب، بينما شعر عدد من الحضور بالإعجاب لطريقة تعامل الطرفين، لم يشعر الرجل بالإحراج، ولم تجد المرأة نفسها خارج إطار المناسبة، بل تحول الموقف القصير إلى درس راقٍ في فنون البروتوكول: أن اللباقة الحقيقية ليست في المصافحة ذاتها، بل في حسن إدارة اللحظة بما يحفظ الاحترام ويصون الخصوصية.
الجدير بالذكر، عزيزي القارئ، أننا في هذا المقال لا نتناول مسألة المصافحة بين المرأة والرجل من منظور ديني أو اجتماعي، فهي واضحة ومحصورة بعدم جواز مصافحة المرأة لرجل غريب، نحن هنا نناقش الأمر من منظور بروتوكولي بحت، يهدف إلى حماية الطرف الأكثر حذرًا أو تحفظًا وتجنب أي إحراج عند التقاء ثقافات مختلفة في مناسبات رسمية.
يعتقد البعض عزيزي القارئ أن البروتوكول يفرض المصافحة كجزء ثابت من مراسم الاستقبال، غير أن الواقع أكثر اتساعًا. فالبروتوكول الدولي — على اختلاف بيئاته —يضع قاعدة ذهبية تُغني عن كثير من الإشكالات، وهي: “المصافحة اختيار، والبديل اللائق موجود دائمًا”، فعلى الرغم من انتشار المصافحة في الثقافات الغربية والآسيوية، إلا أن مجتمعات أخرى — ومنها كثير من المجتمعات العربية والإسلامية — لا ترى في مصافحة المرأة للرجل ضرورة بروتوكولية، بل تختار التحية الراقية بوضع اليد على الصدر أو بالاكتفاء بالتحية اللفظية.
وهنا يظهر جمال الدبلوماسية الثقافية؛ إذ لا يُطلب من أحد أن يتخلى عن قيمه، ولا يُتوقع من الآخر أن يفرض عاداته، البروتوكول في جوهره فن احترام الحدود المشتركة.
أول قاعدة: المبادرة لا تكون من الرجل
في معظم أدبيات البروتوكول العالمية، تُنسب المبادرة بالمصافحة إلى المرأة أولًا. فإن مدت المرأة يدها صافحها الرجل فورًا، وإن لم تفعل، فعليه أن يكتفي بتحية مهذبة دون إظهار أي انزعاج أو تردّد، ولذلك نجد كثيرًا من المسؤولين والدبلوماسيين في السلطنة يتعاملون مع هذا الموقف بكل رقي، خصوصًا حين يكون الضيف من بيئة مغايرة أو ذات حساسية ثقافية تجاه هذا النوع من التواصل.
ثاني قاعدة: بدائل التحية الرسمية،
ليست المصافحة وحدها وسيلة للتعبير عن الاحترام. بل وفي كثير من الأحيان يكون البديل أكثر أناقة ورقيًا، مثل:
وضع اليد اليسرى على الصدر مع ابتسامة خفيفة.
الانحناءة البسيطة بالرأس مع التحية اللفظية.
التحية اللفظية الرسمية مثل:
“أهلاً وسهلاً بكم”
“شرفتمونا بحضوركم”
“يسعدني لقاؤكم”
هذه الأساليب تُعدّ بروتوكولية تمامًا، وتعطي الانطباع نفسه الذي تمنحه المصافحة، بل ربما تعكس احترامًا أكبر حين تكون مراعاة للطرف الآخر.
ثالث قاعدة: تجنّب الإحراج
الإحراج هو العدو الأول للبروتوكول. لا يجب أن يشعر أي طرف بأن ثقافته محل اختبار، أو أن امتناعه عن المصافحة تصرف غير لائق. ومن هنا، من واجب المسؤول أو المضيف أن يتحلّى بالمرونة:
لا يطيل يده انتظارًا.
لا يسحبها بسرعة أو يظهر انزعاجًا.
يتعامل مع الموقف وكأنه جزء طبيعي من الحدث.
كما يجب على المرأة — إن رفضت المصافحة — أن تعتذر بلطف وتقدم البديل فورًا، كما فعلت الأكاديمية في قصة الافتتاح.
مصافحة المرأة في السياق العماني
المجتمع العماني بطبيعته مجتمع يحترم الخصوصية ويقدّر التنوع الثقافي، وهو قادر على التوفيق بين أصول الدين وروح العصر. لذلك نجد أن عدم مصافحة المرأة للرجل في المناسبات الرسمية أمر مألوف، ولا يثير استغرابًا، خاصة بين المسؤولين أو من لهم خبرة في العمل الدبلوماسي، بل إن كثيرًا من الضيوف الأجانب يشعرون بالارتياح حين يدركون أن السلطنة تراعي اختلاف الثقافات وتسمح لكلا الطرفين بأن يتصرفا وفق قناعاتهما باحترام متبادل.
ختامًا: اللباقة أهم من اللمسة
المصافحة ليست دليلًا على الاحترام، بل مجرد شكل من أشكاله. أما الاحترام الحقيقي فيبدأ من:
مراعاة خصوصيات الآخرين
قراءة سياق الموقف
تقديم التحية المناسبة
واختيار الأسلوب الذي يحفظ كرامة الجميع
ففي عالم البروتوكول، قد تُغني إيماءة صغيرة عن مصافحة كاملة، وقد تصنع لحظة لبقة واحدة انطباعًا يدوم طويلاً.
وهكذا، تظل القاعدة الرفيعة التي لا تختلف عليها الثقافات:
ليست المصافحة ما يعبّر عن الاحترام… بل حسن الأدب في طريقة الامتناع عنها.
وعلى الخير نلتقي والمحبة نرتقي..










