بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

النقدُ الاجتماعيّ مرآةُ الإنسانِ وضميرُ العصر

د. محمد السيد يوسف لاشين

أستاذ علم النقد الاجتماعي والتفكير الناقد

 

 

يُعَدّ النقدُ الاجتماعيّ واحدًا من أهمّ المسارات التي سلكها الأدبُ العربيّ منذ نشأته، إذ وجد فيه الكُتّاب والشعراء والمفكّرون وسيلةً فاعلة لكشف مظاهر الخلل في المجتمع، وتعرية ما يختبئ خلف العادات والتقاليد من تناقضات، والارتقاء بوعي الإنسان نحو آفاق أرحب. وليس النقد الاجتماعيّ كلامًا عابرًا أو اعتراضًا انفعاليًّا على واقعٍ ما، بل هو قراءةٌ واعيةٌ لما يعتمل في وجدان الجماعة، ومحاولةٌ لكشف القوى التي تُشكّل هذا الوجدان وتوجّهه.

إنّ جوهر النقد الاجتماعيّ يقوم على مراقبة العلاقة بين الفرد ومحيطه، بين الإنسان ونظام القيم الذي يحكمه، وبين السلوك اليوميّ والهوية الثقافية التي يحملها. فهو يُضئ مناطق العتمة التي تتوارى خلف الخطابات الرسمية أو المرويات السائدة، ويمنح المتلقي قدرةً على تمييز الحقيقة من الزيف، والمصلحة من الشعارات. وإنّ الأدب — في جوهره — لا يعيش منعزلًا عن حركة الناس وآلامهم وأحلامهم، بل هو شاهدُ عصره، يُصغي لأنين المقهورين ويحتفي بنجاحات الساعين إلى التغيير.

تنبع أهمية النقد الاجتماعيّ من أنّه يمثّل ضميرًا يقظًا، يرفض الاستسلام لسطوة العادات المتحجّرة، ويُذكّر الإنسان بأنّ الحياة أوسع من أن تُختزل في تقاليد جامدة أو منافع ضيّقة. فالنقد الجادّ لا يهاجم المجتمع من خارجه، ولا يُشعل الحرائق في نسيجه، بل يسعى إلى الإصلاح بالحجة والفكرة والصورة الفنية. إنه يوقظ الأسئلة، ويعيد ترتيب الأولويات، ويضع القارئ أمام ذاته من غير زيفٍ أو تجميل.

وقد أثبت تاريخ الأدب العربيّ أنّ لحظة التحوّل الحضاريّ غالبًا ما تبدأ بنقد اجتماعيّ جريء؛ من الجاحظ الذي فضح التعصّب الأعمى، إلى طه حسين الذي دعا إلى تحرير العقل من أسر الموروث، إلى نجيب محفوظ الذي صوّر صراع الإنسان في المدن العربية الحديثة وما يعتريها من فساد وقهر. هؤلاء الأدباء لم يكونوا مجرّد ناقلين للواقع، بل كانوا صانعي وعي، يهزون سكون المجتمع ليفتحوا أمامه بابًا نحو التجدّد.

ويمتلك النقد الاجتماعيّ اليوم أهميةً مضاعفة، لأن المجتمعات تواجه تغيرات سريعة في أنماط العيش، وسلوكيات الأفراد، ومصادر المعرفة. ومع تضخّم وسائل الإعلام، وتداخل الثقافات، وتشتّت المعايير، بات الإنسان أحوج ما يكون إلى صوتٍ نقديّ يُعيد ضبط البوصلة، ويكشف له مواطن الانحراف، ويمنحه القدرة على فهم نفسه في عالمٍ يزداد تعقيدًا.

إنّ النقد الاجتماعيّ ليس ترفًا ثقافيًا، ولا وظيفة نخبوية، بل هو شرطٌ من شروط نهضة الأمم؛ لأنه يربط بين الأدب والواقع، وبين الفكرة والتغيير، وبين الكلمة والمسؤولية. وكلّ مجتمعٍ يجمّد النقد أو يهابه يحكم على نفسه بالبقاء في دائرة الأخطاء ذاتها، لأن الإصلاح يبدأ من الاعتراف، والاعتراف يبدأ من النقد، والنقد يبدأ من كاتبٍ شجاع وقارئٍ يمتلك الوعي.

وهكذا، يظلّ النقد الاجتماعيّ مرآةً تعكس صورتنا كما هي لا كما نحبّ أن نراها، وضميرًا يذكّرنا بأنّ للإنسان قيمةً لا تُحفظ إلا بالكرامة والعدل والحرية. ومن دون هذا النقد، يفقد الأدب دوره، ويفقد المجتمع إحدى أهم آليات التطوّر التي تدفعه إلى الأمام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى