بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

حرب تعيد صياغة العالم : أوكرانيا كنقطة التحوّل الحاسمة في ميزان القوة الدولي

الدكتور/ عبدالناصر سلم حامد

باحث في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب

 

 

في صباح مغطى بضباب كثيف على تخوم خاركيف، تتردد أصوات الانفجارات وتتمازج مع صفير الرياح الباردة، ليولد داخل هذه الجغرافيا المتوترة إحساس بأن ما يجري هنا لا ينتمي إلى حدود أوكرانيا وحدها، بل يتجاوزها ليعيد تشكيل العالم بأسره. فالحرب التي بدأت في 24 فبراير 2022 لم تعد مجرد صراع بين دولتين، بل تحولت إلى اختبار عالمي يكشف هشاشة النظام الدولي الذي وُلد بعد الحرب الباردة، ويُظهر عجز القوى الكبرى عن منع الانزلاق إلى مواجهة طويلة قد تعيد رسم ملامح القرن الحادي والعشرين.

بالنسبة لروسيا، لا تُعد أوكرانيا دولة مستقلة بالمعنى الجيوسياسي التقليدي، بل جزءًا من امتدادها التاريخي والاستراتيجي. فمنذ القرن الثامن عشر، شكّلت أوكرانيا بوابة الغرب نحو الداخل الروسي، وقاعدة دفاعية متقدمة ترى موسكو أن خسارتها تفتح الطريق أمام محاصرة روسيا بالكامل. ومع توسع الناتو منذ التسعينيات وضمّ دول أوروبا الشرقية واحدة بعد الأخرى، اقترب الغرب من قلب المجال الروسي إلى مستوى لم تعرفه موسكو منذ قرون. وبينما رأت أوروبا هذا التوسع خطوة طبيعية لدمج دول ما بعد السوفييت، رأت فيه روسيا عملية منهجية لتقليص عمقها الأمني.

ولذلك، شكّل إعلان كييف رغبتها الواضحة في الانضمام إلى الناتو نقطة تحوّل في الحسابات الروسية. فمن منظور الكرملين، هذا المسار يعني أن الغرب لم يعد يسعى إلى تطويق روسيا فحسب، بل يهدف إلى الوصول إلى حدودها المباشرة. ومن هنا جاء التدخل العسكري باعتباره “خطوة استباقية” لمنع مسار يُنظر إليه داخل روسيا على أنه تهديد وجودي.

حين بدأت العمليات العسكرية في فبراير 2022، لم تكن موسكو تستهدف السيطرة الكاملة على أوكرانيا، بل إعادة رسم خرائط الأمن الإقليمي بما يجعل كييف خارج المنظومة الغربية لسنوات طويلة. ركزت روسيا على الشرق والجنوب، حيث الثقل الصناعي والزراعي، وحيث يمكن بناء ممر بري مستدام يربط دونباس بالقرم. ومع نهاية 2024، كانت روسيا قد رسّخت سيطرتها على نحو 18% من الأراضي الأوكرانية — رقم يتغير بالهامش لكنه ثابت في جوهره — وهو ما جعل هذه المناطق قاعدة استراتيجية لا يمكن التراجع عنها بسهولة في أي تسوية سياسية لاحقة.

وفي الوقت نفسه، اعتمدت روسيا استراتيجية أوسع تقوم على استنزاف الزمن قبل استنزاف الخصوم. فهي تدرك أن قدراتها الاقتصادية لا تكافئ قدرات الغرب، ولذلك عملت على جعل الحرب عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا على أوروبا والولايات المتحدة. ومع شتاء 2022–2023، ظهرت آثار هذا النهج بوضوح: أزمة طاقة غير مسبوقة، ارتفاع شديد في أسعار الغاز، توقف مؤقت لبعض الصناعات الأوروبية، وزيادة اعتماد أوروبا على الغاز المسال المرتفع التكلفة بعد خفض موسكو لإمداداتها.

وفي الداخل الأوكراني، ركزت روسيا ضرباتها على البنية التحتية للطاقة بهدف إضعاف قدرة كييف على الصمود. تضررت نسبة تقارب 40% من شبكة الكهرباء ومحطات التوزيع، مما أدى إلى انقطاعات واسعة خلال أشهر الشتاء. كان الهدف ليس عسكريًا فقط، بل نفسيًا أيضًا: جعل البرد سلاحًا إضافيًا.

وبرغم هذه الضغوط، لم تنكسر أوكرانيا. فقد استفادت من الدعم الغربي الواسع لإعادة تنظيم دفاعاتها، وشنت هجمات مضادة ناجحة في خاركيف وخيرسون خلال عام 2022، مستفيدة من المعلومات الاستخبارية الغربية التي وفرت لها صورة دقيقة عن تحركات القوات الروسية. كما طورت تكتيكات تعتمد على الوحدات الصغيرة سريعة الحركة والطائرات المسيّرة، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من المعركة.

ومع 2023، دخل الصراع مرحلة جديدة حين بدأت أوكرانيا توجيه ضربات داخل العمق الروسي باستخدام مسيّرات بعيدة المدى. استهدفت هذه الضربات قواعد جوية ومنشآت نفطية وتجمعات عسكرية، وهو ما أربك موسكو وأجبرها على إعادة توزيع دفاعاتها الداخلية. ورغم محدودية التأثير العسكري، فإن هذه العمليات أحدثت تحولًا نفسيًا واضحًا في معادلة الصراع.

في المقابل، لعبت الولايات المتحدة الدور الأساسي في إبقاء أوكرانيا صامدة. فالدعم المالي والعسكري والتقني والاستخباري الأمريكي كان عاملاً حاسمًا في منع انهيار الجبهة الأوكرانية. لكن هذا الدعم لم يعد مضمونًا كما كان في العام الأول من الحرب. فقد دخلت السياسة الداخلية الأمريكية على خط الصراع، وأصبح مستقبل المساعدات مرتبطًا بنتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة.

فبينما ترى إدارة بايدن أن دعم أوكرانيا ضرورة استراتيجية لكبح النفوذ الروسي، يطرح التيار الجمهوري، وعلى رأسه دونالد ترامب، مقاربة مغايرة تمامًا. ترامب أعلن أنه قادر على إنهاء الحرب في “24 ساعة”، وهي عبارة تلخص فلسفته السياسية: فرض وقف فوري للمساعدات العسكرية لأوكرانيا لدفعها، مع موسكو، إلى قبول تجميد خطوط القتال الحالية وبدء مفاوضات مباشرة. وفق هذه الرؤية، تتحمل أوروبا العبء الأكبر، بينما تعيد الولايات المتحدة تركيزها نحو آسيا حيث يتشكل التحدي الصيني. وإذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض، فمن المرجح أن تتحول الحرب إلى صراع مجمّد طويل، بينما استمرار النهج الديمقراطي يبقي الدعم قائمًا وإن كان بوتيرة أبطأ.

وفي أوروبا، تتباين المواقف بين دول ترى في الحرب تهديدًا مباشرًا لأمنها مثل بولندا ودول البلطيق، وأخرى مثل ألمانيا وفرنسا تسعى إلى موازنة الردع مع تجنب التصعيد المفتوح. فيما تقف تركيا والمجر في موقع فريد يسمح لهما بالحفاظ على علاقات مع موسكو رغم عضويتهما في التحالفات الغربية، مما يمنحهما مساحة مناورة مؤثرة.

وفي الخلفية، تقف الصين كمستفيد غير مباشر من الحرب. فقد حصلت على الطاقة الروسية بأسعار تفضيلية، وعززت موقعها كشريك اقتصادي رئيسي لموسكو، بينما استفادت من انشغال واشنطن وأوروبا بالصراع الطويل. الحرب منحت بكين فرصة لقياس قدرة الغرب على تحمل صراع طويل، ولفحص فعالية الأنظمة الغربية في إدارة حرب بالوكالة — دروس مهمة في سياق حساباتها بشأن تايوان.

أما البحر الأسود، فقد أصبح ساحة معقدة يتداخل فيها الصراع البحري والجوي والاقتصادي. الضربات الأوكرانية ضد الأسطول الروسي أثرت على قدرته على الحركة، وتوقف ممر الحبوب أكثر من مرة أدى إلى اضطرابات في أسعار الغذاء العالمية، مما كشف الترابط بين الأمن العسكري والأمن الغذائي العالمي.

وبينما تستمر المعارك، يعاني الاقتصاد العالمي من تداعيات الحرب: موجات تضخم، ارتفاع أسعار الطاقة، إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وازدهار الصناعات الدفاعية. أوروبا خفضت اعتمادها على الطاقة الروسية إلى أكثر من النصف، لكنها دفعت ثمنًا اقتصاديًا كبيرًا. وروسيا أعادت توجيه صادراتها نحو آسيا لتعويض جزء من خسائرها.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، تتحول الجبهات تدريجيًا إلى حرب مواقع طويلة. خطوط التماس الممتدة لأكثر من ألف كيلومتر لا تشهد تغيرات كبرى. روسيا تتقدم ببطء، وأوكرانيا تعتمد على المرونة التكتيكية والتقنيات الحديثة. ومع التعب المتزايد لدى كل الأطراف — روسيا، أوكرانيا، أوروبا، وحتى الولايات المتحدة — يصبح الصراع أكثر ميلًا إلى الجمود.

السيناريوهات المحتملة محدودة: تجميد خطوط التماس، فرض تسوية دولية، أو انهيار إحدى الجبهات بفعل ضغط اقتصادي أو سياسي. ولكن المؤكد أن العالم بعد هذه الحرب لن يعود كما كان قبلها. فالنظام الدولي يعاد تشكيله، والتحالفات يعاد رسمها، ومفهوم القوة يعاد تعريفه. وفي خضم كل ذلك، أصبحت أوكرانيا النقطة التي يُعاد عندها رسم مستقبل القرن الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى