بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

عبق أمنيات .. بناء وطن بلا ثارات !

هيام سلوم

 

حين انتصرت الثورة في جنوب أفريقيا 1994 كان أمام نلسون مانديلا آلاف التقارير عن مجرمين وشبيحة ومؤيدين لنظام الأبارثيد العنصري البغيض، عشرات الآلاف من المواطنين السود قتلوا وذبحوا في سجون الأبارتيد، وكشف سقوط النظام البغيض عن مجازر ومقابر جماعية رهيبة ، النفوس تغلي بالغضب ورغبة الانتقام .

كان أمامه الاختيار لقد أدرك منذ البداية أن طريق الثأر والانتقام لن يبني مجتمعاً سليماً وأن النار لا تطفأ بالنار .

أعلن عن لجنة الاعتراف والمصالحة واختار لها زعيماً تحترمه الأديان المختلفة وهو الأسقف ديزموند توتو..

أطلقت اللجنة عملها على أساس اعتراف الناس بما ارتكبوه، وتأكيد الدافع السياسي وراء ما فعلوه، وكان ذلك كافياً لعودته إلى الحياة. فقط أولئك الذين ارتكبوا الجرائم لدوافع دنيئة وتقدم ضدهم أفراد مظلومون في محاكم رسمية تمت محاكمتهم وفق القانون.

أما مانديلا المنتصر الذي حظي يتأييد العالم كله بعد سجن استمر 27 عاماً، وبعد فوزه الساحق في الانتخابات أعلن عن حكومته الجديدة ونادى ديكليرك خصمه الأبيض العنيد الذي أشرف على سجنه وسجن آلاف السود في السنوات الأخيرة وعرض عليه منصب نائب رئيس الجمهورية في موقف أذهل العالم.

وهكذا تم تجاوز مآسي الماضي وعذاباته من دون حرب أهلية جديدة. قال مانديلا: إننا لا نولد عنصريين ولا متباغضين إنه شيء يعلمه لنا الآباء وكما جاز أن نتعلم الكراهية فإنه من المؤكد أننا نستطيع أن نتعلم الحب لا شيء أسهل من البغضاء أما الحب فهو يحتاج أنفساً عظيمة.

عندما تزور الحقيقة وتغيب  معالم الطريق وتستباح الأعراض  والقيم ومنظومة الأخلاق تتحول الحياة الى غابة تكون فيها غابة الحيوانات أرقى . لأن فيها قوانين تمشي عليها . أما الغابة البشرية يتجلى بالشخص الواحد مئة صفة حيوانية  فتجد الحقد والسم والغدر والخيانة متجمعة فيه.

ماحدث في الساحل السوري فعل جريمة مروعة ووصمة عار في جبين مرتكبيها نظام وأدوات وشعارات ومرجعية بعد ان اتركبوا مجازر يندى له جبين الانسانية . وعلى الجميع أن يعي أن أهالي هذا الساحل أكثر طيبة وبساطة من كل التحليلات السياسية والطائفية التي تضخم الحدث وطوابير الاشاعات واذا ما دخلنا في العمق وبحثنا عن الأسباب سنجد ان منصات التواصل والضخ الإعلامي والعمى والجهل وراء هذا الاقتتال والفوضى.

ماحدث على شط بحرنا كان يجب ألا يحدث فسورية توالت عليها الضربات وأنهكتها الأزمات ولاتحتمل نيراناً أكثر وعلى الجميع الابتعاد عن خطاب الدم وخطاب الطائفية والانقياد وراء العنتريات والعنجهيات . وأن يعي أهمية  زرع ثقافة المحبة وثقافة الوعي  التي تزهر وطنا أمناً والتي هي بالأساس جزء من النسيج السوري الذي ضم تحت لوائه كل الوان الطوائف. 

في هذا الغليان للمنطقة العربية علينا أن نعي أهمية الهدوء والتسامح لنعيش بسلام .
أي زمن ذاك الذي أوصلنا إلى هذا المستوى الهابط الساقط الذي يذبح فيه الانسان أخيه الانسان .

هل يعقل ونحن في القرن الواحد والعشرين عصر التكنولوجيا والانترنت والذكاء الاصطناعي أن يقتل الإنسان الإنسان ؟
حتى باتت دروبنا ملطخة بالدماء .
متى سنعيش باستقرار وسلام.؟
والجهل والعمى تربع عقولنا بعد ان خذلتنا جامعاتنا وجوامعنا .
متى سنطوي ملفات الثأر ونقول عفا الله عما مضى ونبدأ من جديد ؟
يكفينا حروب و طغيان!
ضاعت بوصلتنا …
وضاع معها الإنسان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى