بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الدوحة تعري الواقع العربي!

✍ ترياء البنا

 

أسدل الستار على النسخة الحادية عشرة من بطولة كأس العرب، فيفا- قطر 2025، والتي تعد بحق نسخة استثنائية، سواء على مستوى التنظيم، والذي أصبح الكلام فيه- مهما كثر- غير منصف لدولة قطر، التي أضحت عنوانا للنجاح، وأكدت أن الدوحة، بما استضافته من استحقاقات في ذات الفترة، هي الأميز والأحق، بتنظيم أعتى البطولات، ولم لا وكل ذلك وما سيأتي، سبقه نسخة لن تنسى لمونديال كأس العالم 2022، وهنا وجب الشكر لدولة قطر، لأنها وضعت منطقة الشرق الأوسط وخاصة الخليج ، على خارطة الرياضة العالمية، وفتحت الباب للمملكة العربية السعودية لكتابة سطر جديد من النجاح العربي في تنظيم البطولات الكبرى، لنترقب جميعنا ما ستقدمه المملكة في مونديالها، وقبله كأس آسيا 2027.

أما على الجانب الفني، فلم تبخل علينا البطولة بشيء، إذ حضرت الإثارة منذ أول جولة، بنتائج غير متوقعة، يصاحبها أداء راق لمعظم المنتخبات، وعلى رأسها الفدائي الفلسطيني والمنتخب السوري، اللذان انتزعا بطاقتي التأهل للدور الثاني على حساب قطر( بطل آسيا، المتأهل إلى نهائيات كأس العالم، صاحب الأرض والجمهور)، وتونس(المتأهل إلى نهائيات كأس العالم، وصيف النسخة الماضية من كأس العرب)، ولكن عطفا على الأداء داخل المستطيل الأخضر، لم تكن النتائج مفاجئة، الأمر الذي يؤكد أن كرة القدم عمل ومجهود ولياقة بدنية، مع رغبة وإصرار على تحقيق الذات، فالعمل حتما سيؤدي إلى النتائج.

لقد كشفت الدوحة خلال هذه البطولة، الواقع الكروي في بلداننا العربية، فرغم مشاركة المنتخبات الأفريقية بالصف الثاني، إلا أنها أثبتت تفوق الكرة الأفريقية على الآسيوية، فإذا كان هذا ما شاهدناه بالصف الثاني للمغرب والجزائر، فماذا سيكون الوضع لو شاركت منتخبات مصر، تونس، المغرب، والجزائر بالصف الأول، وهذا ما كنا نتمناه- لولا بطولة أمم أفريقيا التي حرمتنا من مشاهدة أهم لاعبي تلك المنتخبات- وحينها كان سيكون لهذه النسخة من البطولة شأن آخر، خاصة مع دخولها تحت مظلة الاتحاد الدولي، وارتفاع قيمة جوائزها التي تجاوزت 36 مليون دولار.

كما كشفت البطولة أن كرة القدم لا تعترف بالتاريخ، بل بما يقدم واقعيا في الملعب، فمنتخب مثل مصر، صاحب التاريخ الكروي الكبير، جاء إلى الدوحة بمنتخب يضم مجموعة من كبار السن، معتمدين على اسم مصر فقط، تجمعوا قبل البطولة بوقت قصير، ولم يخوضوا أي استعداد، فلم يقدموا شيئا، وخرجوا خروجا مستحقا من الدور الأول بدون تحقيق أي فوز.

أما منتخب الأردن، والذي نال إعجاب وتقدير واحترام كل من تابع البطولة، فهو يجني ثمار عمل بدأ منذ سنوات، على المشروع الكروي الأردني الذي وضعه الراحل الجنرال محمود الجوهري، وتواصل نهج العمل حتى مع تغير الأسماء، وأصبحت المخرجات الوطنية نماذج مشرفة تليق باسم المملكة، نجحت في تحقيق لقب وصيف كأس آسيا 2023، والتأهل إلى نهائيات كأس العالم 2026، ووصيف كأس العرب 2025، ومازال لقصة النشامى الكروية فصول أخرى من الإنجازات القادمة.

على الجانب الآخر منتخب السعودية، فقد ظهر تأثير الدوري عليه، فبعدما أصبح الدوري السعودي دوري المحترفين الذي يضم أهم نجوم العالم، الذين نجح جهاز الاستثمار في استقطابهم للدوري المحلي، ورغم أن الدوري السعودي أصبح يحظى بنسبة مشاهدات تضاهي الدوريات الكبرى، إلا أن الآثار السلبية ظهرت على المنتخب، وقبل ذلك كانت هناك نجوم سعودية ملئ السمع والبصر، وهذا أمر منطقي وبديهي، دوري يعتمد على المحترفين، ماذا ننتظر من مخرجات وطنية؟.

وعلى العكس تماما البطل، المنتخب المغربي، فقد أثبت أن البلد المصدر للاعبين يكون هو الأميز والأكثر حضورا، حتى وإن لم يأت بالصف الأول، لأنه يمتلك من المحترفين أصحاب الخبرات، الكثير، ليس فقط على مستوى اللاعبين، بل أيضا المدربين، وقد شاهدنا مدربي منتخبي النهائي مغربيين، طارق السكتيوي (مدرب المغرب)، وجمال السلامي(مدرب الأردن)، ولم نشعر أبدا أن المنتخب الأول لم يحضر لأنه منشغلا بالتحضير لكأس الأمم الأفريقية التي تستضيفها المغرب، التي أصبحت منتخباتها علامة فارقة ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل والعالمي أيضا.

كما أثبت ذلك أيضا منتخبات الجزائر، العراق، وفلسطين بما تضمه من محترفين، قدموا أداء رائعا وكرة جميلة أمتعت متابعي البطولة، – رغم أن ظروف كل منهم حالت دون تقدمه في البطولة- ما يؤكد أن الاستثمار في كرة القدم(اللاعب المحلي)، يؤتي ثماره على كافة المستويات( الفنية- المادية- الاجتماعية)، وهو ما تحتاج إليه منتخبات مثل سلطنة عمان، الإمارات، قطر، والكويت.

الخلاصة.. كشفت بطولة كأس العرب في الدوحة، الواقع الكروي للمنتخبات العربية، وعكس كل منتخب حجم العمل الرياضي في بلده، وأتمنى أن يتعلم كل اتحاد وطني من هذه البطولة، ويسعى إلى تعزيز الجوانب الإيجابية لديه، ومعالجة جوانب القصور، فالهدف دائما لدينا كجمهور عربي، مشاهدة منتخباتنا بأفضل صورة، أو متلألئة على منصات التتويج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى