
فلسفة الحرف وتجلي المعنى
د. جميلة الوطني
مملكة البحرين
فلاش:
ليكن عامك كاللغة العربية.. ثابتاً في أصوله كالجذور، متجددًا في عطائه كالاشتقاق، وبليغًا في أثره فلا يمرّ دون أن يترك في قلب الوجود معنى.
في مقام الضاد… وفاتحة الزمن
في حضرة الذاكرة المثقلة برائحة الحبر وعراقة المخطوط، وبينما يلملم العام أوراقه متهيئًا للرحيل إلى غيابات الأمس تبرز اللغة العربية كشجرة أزلية، تضرب جذورها في عمق الوجود الإنساني، وتشرئب أغصانها لتعانق سديم المستقبل..
إن الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية في هذا الميقات الفاصل -حيث تشتبك نهايات الفصول ببدايات عام جديد- يتجاوز كونه طقسًا بروتوكولايًا عابرًا، ليكون استبصارًا وجوديًا أمام مرآة الروح، واستنطاقًا لقلب الهوية التي تسكننا كدم يتدفق في الشرايين قبل أن نسكنها نحن كوطن من مجاز.
إن اللغة العربية، كما نجلوها في هذا المقام ليست مجرد أداة للتخاطب أو مخزن للمفردات المستهلكة.. بل هي نظام كياني كامل، وماهية فلسفية اتخذت من الضاد وسمًا وجوهرًا.. ذلك الحرف الذي يستعصي اعتصاره إلا من حناجر نحتت من صخر البادية وصقلت برياح الوحي، ليعلن منذ الأزل أن هذه اللغة عصية على التذويب، فريدة في ماهيتها الإنشائية، وقادرة بمرونتها الاشتقاقية على احتواء صدمات الحداثة دون أن تفقد وقارها العتيق.
وعليه، فإننا في استقبالنا لعام جديد، لا نستقبل مجرد زمن آت، بل نستأنف عهدنا مع الكلمة التي بدأت بها الحضارة، مؤمنين بأن الضاد هي بوصلتنا الأخلاقية والجمالية في عالم يموج بالمتغيرات، وهي تميمتنا الباقية التي تمنحنا حق البقاء في ذاكرة التاريخ.
عندما نتوغل في فلسفة الحرف العربي، نلفيه كيانًا حيًا ينبض بالدلالة.. فالألف قامة سماوية تشير إلى الوحدة والسمو الأنطولوجي، والواو انحناءة وجد صوفية تشبه جنينًا يغفو في رحم المعنى، يقتات من مشكاتها.. وهي لغة تقوم على سحر الاشتقاق، حيث تتوالد الكلمات من بعضها في صيرورة حيوية مذهلة، تؤكد أن الوجود العربي في منبعه حركة لا تهدأ، لا جمود يعتريه الأسن. هذا العمق الفلسفي يسوقنا قسرًا إلى أساطين البيان الذين شيدوا من الورق مدنا لا تفنى… فلا يستقيم فهم سر العربية دون التهجد عند محراب الإمام عبدالقاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز، وهو الذي كشف لنا أن الجمال ليس في الكلمة في عزلتها، بل في النظم وتآلف الأرواح داخل نسق الجملة، مما يوجب علينا مع فجر العام الجديد أن ننسج مصائرنا كما ينسج البليغ عبارته والأديب جملته، حيث كل تفصيل صغير هو خيط محكم في ثوب الوجود الكلي… وكل حرف انبهار للمعنى.
أن ننصب خيام احتفالنا بالضاد على عتبة العام الجديد يعني أننا نصهر الخالد بالمؤقت. فالعام القادم صيرورة زمنية متبدلة، بينما تظل العربية هي الثابت الجمالي الذي يهبنا التوازن في عالم تذروه رياح الرقمنة والنسيان. وهنا تنبثق فلسفة ابن جِنِّي من كتابه الخصائص، متحدثًا عن شجاعة العربية وجسارتها في تطويع المستحيل، وهي شجاعة وجودية نحتاجها ونحن نخطو نحو عام مجهول الملامح، لنولد من مخاض التحديات معاني بكرا، تمامًا كما تفتق العربية من جذورها الصماء أزهارًا من البيان. إنها اللغة التي كانت وما تزال ديوان العرب الأزلي، والرئة الاستعارية التي نستنشق بها الجمال، والوطن الذي لا يحتل ولا ينفى، كما تجلى في صرخة محمود درويش.. أنا لغتي.
ولأن العربية (لغة الفرادة والدّقة التي لا تشوبها شائبة) كما أرّخ لها الثعالبي في فقه اللغة وسر العربية، فإنها تمحضنا القدرة على تشريح خلجات نفوسنا بدقة المبضع… فلا يختلط عندنا الحب بالعشق لوعة، ولا الخوف بالوجل رهبة.. هذا الترف يغرينا في العام الجديد لنكون أكثر رهافة في نحت مشاعرنا، وأكثر انتقاء لكلماتنا التي نشيد بها قناطرنا نحو الآخر.. إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في الذود عن اللغة من الانقراض، فهي محفوظة بقدسية الوحي ونصوص الجهابذة من الجاحظ إلى طه حسين، بل الرهان في استنقاذ ذواتنا من الاغتراب عنها. الاحتفال الحق هو استعادة حيويتها في مختبرات المعرفة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وفي نبض الشارع، لتبقى لغة تخلق الحياة وتؤثث الفكر، لا مجرد طلل نبكيه في المحافل.
ومع اطلالة العام الجديد لنتخذ من العربية مشكاة نبصر بها أغوار ذواتنا، ولنعلن أن الضاد هي الملاذ الذي لا يغيب، وأن أسفار الذين هندسوا وعينا قبل قرون ما زالت هي المفاتيح الذهبية لمستقبلنا.
إن الذي ملأ اللغات محاسنًا، جعل الجمال وسره مكنونًا في الضاد، وكل عام ونحن بهذه اللغة أكثر رقيًا، وأعمق فكرًا، وأشد التصاقًا بجوهر الكينونة الإنسانية.











