
هل أسبقية المقعد للشهرة أم للمنصب في خطط الجلوس البروتوكولية؟.. قصة ذات دلالة وقعت في إحدى المناسبات الرسمية
الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات
عزيزي القارئ الكريم، لفهم أسبقيات الجلوس بصورة أدق نبدأ هذه السطور بقصة واقعية :
في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، حضر أحد الشخصيات في إحدى الجهات الحكومية، يتمتع بحضورٍ شعبي وشهرةٍ اجتماعية، لكنه لا يشغل منصبًا رفيعًا في السلم الوظيفي للدولة. كانت القاعة مُعدّة بعناية، وخطة الجلوس موضوعة وفق البروتوكول المعتمد، مراعيةً الأسبقيات الوظيفية، والتراتبية الرسمية، وطبيعة المناسبة، والجهة المنظمة.
تقدّم المدعو إلى المقعد المخصص له، نظر حوله سريعًا، وبدا عليه عدم الرضا. لم يتحدث، ولم يستفسر، ولم يطلب إيضاحًا، ثم نهض بهدوء وغادر القاعة قبل بدء الفعالية. لاحقًا، تبيّن أن المقعد الذي خُصص له لم يناسبه، على الرغم من أنه كان صحيحًا تمامًا من حيث البروتوكول، بل ينسجم بدقة مع منصبه، وموقعه في الهرم الوظيفي، وتسلسل الأسبقية المعتمد في تلك المناسبة.
غير أن الانسحاب جاء نتيجة انطباع شخصي، لا خطأ تنظيمي، إذ افترض صاحب الشأن أن شهرته تفرض موقعًا متقدمًا في الجلوس، خلافًا لما تقرره القواعد والأعراف البروتوكولية.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية… قصة المقعد الذي لم يكن خطأً، لكن فُهم خطأ.
لماذا تُعدّ خطط الجلوس غير مستحبة من قبل البعض؟
ينادي بعضهم بأن خطط الجلوس في المناسبات الرسمية غير مستحبة، بحجة أن المدعوين حضروا تلبيةً للدعوة، وأن إرشاد أحدهم إلى أن مقعدًا ما “محجوز” قد يُفهم على أنه تصرّف غير لائق أو مجافٍ للذوق العام، غير أن هذا الرأي، رغم حسن نيته، يغفل جوهر الفكرة البروتوكولية، ويخلط بين المجاملات الاجتماعية والتنظيم الرسمي.
ففي المناسبات ذات الطابع الرسمي أو شبه الرسمي، لا يُنظر إلى الحضور بوصفهم أفرادًا فقط، بل بوصفهم مواقع وظيفية واعتبارية تمثل مؤسسات، أو مناصب، أو صفات محددة. ومن هنا، فإن خطة الجلوس لا تُعدّ تمييزًا بين الضيوف، ولا انتقاصًا من قدر أحدهم، بل أداة تنظيمية تحفظ التوازن، وتمنع الإحراج، وتُجنب الجهة المنظمة الوقوع في أخطاء أكبر.
كما أن الإشارة إلى أن المقعد “محجوز” لا تكون غير لائقة متى ما قُدمت بأسلوب مهذب، ولغة راقية، وشرح لبق. فالخلل لا يكمن في وجود خطة جلوس، بل في طريقة تطبيقها.
خطة الجلوس الصامتة، المدروسة، والمُنفذة بذوق، تحمي الجميع، تحمي الضيف من الحرج، وتحمي المنظم من العشوائية، وتحمي المناسبة من رسائل غير مقصودة.
ولعل السؤال الأصح ليس: هل نضع خطط جلوس أم لا؟، بل: كيف نضعها؟ وكيف نُديرها باحترام يليق بالضيف وهيبة المناسبة في آنٍ واحد؟.
قد يظن البعض الآخر عزيزي القارئ أن أسبقيات الجلوس مسألة شكلية، أو تفصيل ثانوي، بينما هي في الواقع لغة صامتة تُقرأ بدقة في عالم البروتوكول. فالمقعد ليس قطعة أثاث، بل رسالة تحمل دلالات واضحة:
موقع الجالس
قيمته الاعتبارية
درجة تمثيله
علاقته بالحدث وبالجهة المنظمة
ولهذا، فإن أي خلل – أو سوء فهم – في الجلوس قد يُفسَّر سياسيًا، أو إداريًا، أو حتى شخصيًا.
ما المقصود بأسبقيات الجلوس؟
أسبقيات الجلوس هي قواعد تنظيمية تحدد:
من يجلس أولًا؟
ومن يتقدّم على من؟
وأين يكون موقع كل شخصية داخل القاعة؟
وهي تستند إلى عدة معايير، من أبرزها:
1. المنصب الرسمي وليس العمر أو الشهرة.
2. الصفة التمثيلية هل يحضر بصفته الشخصية أم ممثلًا لجهة؟
3. طبيعة المناسبة مدنية، عسكرية، وطنية، دولية
4. الجهة المستضيفة.
5. العرف البروتوكولي المعتمد في الدولة.
خطأ شائع: الخلط بين المكانة الشخصية والأسبقية البروتوكولية
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يخلط بعض الحضور بين: مكانته الاجتماعية أو الإعلامية، وبين أسبقيته البروتوكولية في مناسبة محددة.
فقد يكون الشخص: معروفًا، مؤثرًا، أو ذا تاريخ طويل لكن ذلك لا يعني بالضرورة تقدّمه في الجلوس إذا لم يكن منصبه الحالي يفرض ذلك، وهنا تحديدًا وقع بطل قصتنا في الإشكال؛ قرأ المقعد بعين الانطباع، لا بعين البروتوكول.
هل الانسحاب حل؟
في عالم البروتوكول، يُعدّ الانسحاب الصامت من مناسبة رسمية قرارًا حساسًا، وقد يُفسَّر بطرق متعددة:
رسالة اعتراض
عدم رضا
تقليل من شأن الحدث
أو توتر في العلاقات
حتى وإن لم يكن هذا هو المقصود، فإن البروتوكول لا يتعامل مع النوايا، بل مع الرسائل الظاهرة.
وكان الأجدر – في مثل هذه الحالات – أن:
يُستوضح الأمر بهدوء.
أو يُؤجَّل الحكم إلى ما بعد المناسبة.
أو يُترك للمنظمين تفسير الخطة إن وُجد لبس.
كيف تُبنى خطة الجلوس الصحيحة؟
خطة الجلوس من أصعب ما يواجهه العاملون في المراسم وهي لا تُبنى ارتجالًا، بل تمر بمراحل دقيقة، منها:
دراسة قائمة الضيوف ومناصبهم.
تحديد الأسبقية العليا.
مراعاة التوازن بين الجهات.
الانتباه للحساسية بين بعض المواقع.
اختبار الخطة أكثر من مرة قبل اعتمادها.
وفي المناسبات الكبرى، تكون الخطة غالبًا مدروسة جماعيًا، ولا تُترك لاجتهاد فردي.
رسالة إلى الضيف قبل المنظم
صحيح أن على الجهة المنظمة مسؤولية كبرى في الإعداد، لكن على الضيف أيضًا مسؤولية الفهم البروتوكولي، لا سيما إذا كان في موقع قيادي. فالتعامل الراقي مع الجلوس يعكس:
نضجًا إداريًا
وفهمًا للمراسم
واحترامًا للنظام العام
خلاصة القول
أسبقيات الجلوس ليست ترفًا تنظيميًا، ولا مسألة كماليات، بل ركيزة من ركائز احترام الدولة، والمؤسسات، والأشخاص. وكلما فهمنا هذه اللغة الصامتة، كلما قلّت الإشكالات، وزادت الرسائل وضوحًا، وساد المشهد وقار يليق بالمناسبة وأهلها، فأحيانًا…المكان صحيح، لكن القراءة هي التي تحتاج إعادة نظر.
وعلى الخير نلتقي وبكم نرتقي ..









