بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

أزمة القدوة في زمن المشاهير

أحمد الفقيه العجيلي

 

على امتداد التاريخ، كان الناس يبحثون عن القدوة في العلماء، والمصلحين، وأهل الحكمة والمعرفة، أولئك الذين يُنيرون العقول ويقودون المجتمعات نحو الرقي. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بصورة لافتة، وأصبحت الشهرة تُصنع في الغالب بالجدل، والاستعراض، وإثارة الانتباه، لا بالعلم أو القيمة.

الشاب الباحث عن النجاح يجد أن الأكثر حضورًا هم من يصنعون محتوى سريعًا، سطحيًا، قائمًا على التفاهة وإضاعة الوقت، بينما تغيب القامات الفكرية عن الواجهة. والفتاة الباحثة عن هويتها تُقاس قيمتها – في كثير من الأحيان – بمعايير “الترند” والصورة وعدد المتابعين، لا بالأخلاق أو الوعي أو الأثر الحقيقي.

المشكلة، في تقديري، ليست في وجود المؤثرين بحد ذاتهم، بل في تحوّلهم إلى مرجعيات ثقافية وأخلاقية، رغم أن كثيرًا مما يُقدّم لا يبني وعيًا، ولا يضيف معرفة، بل يعمّق النزعة الاستهلاكية، ويُفرغ النجاح من معناه.

وفي المقابل، يعاني المفكرون والمربّون وأصحاب الرسائل الجادة من ضعف الوصول، لأن المنصات الرقمية تكافئ السريع والمثير، لا العميق والنافع.

فنحن أمام أزمة وعي أكثر من كونها أزمة منصات. فالخوارزميات لا تعمل في فراغ، بل تستجيب لما نتابعه ونكافئه بالمشاهدات والإعجابات. لا يمكن أن نلوم المنصات وحدها، ونحن – أفرادًا وأسرًا – نمنح التفاهة القوة والانتشار، ونتجاهل المحتوى الذي يستحق.

الحل لا يبدأ بالحظر ولا بالشكوى، بل بـ التربية الإعلامية: أن نُعلّم أبناءنا كيف يميّزون بين الشهرة والقدوة، وبين المحتوى الذي يُمتع لحظة، والمحتوى الذي يبني عقلًا وشخصية. كما أن على المربين والمفكرين مسؤولية تطوير أدواتهم، وأن يخاطبوا جيل الصورة بلغة يفهمها، دون التفريط في العمق أو الرسالة.

فالقدوة الحقيقية ليست من يلمع على الشاشات، بل من يترك أثرًا صادقًا في حياة الناس.
وإذا استطعنا أن نُعيد تعريف النجاح على أساس القيمة لا الأرقام، سنستعيد شيئًا من التوازن المفقود بين الشهرة والوعي.

القضية ليست شهرة نلاحقها، بل قدوة نختارها، وقيمة نؤمن بها، وأثر نتركه. فالمجتمعات لا تنهض بعدد المتابعين، بل بعمق الوعي وصدق القدوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى