بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الخيانة ليست ما يُسقط الدول .. بل ما يكشف أنها سقطت فعلًا

الدكتور/ عبدالناصر سلم حامد
باحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب
كبير الباحثين بمعهد فوكس – السويد

 

ما نشهده اليوم ليس خيانة تُسقط الدول، بل تحوّلًا عالميًا في طريقة إدارة انهيارها؛ من إسقاط الأنظمة بالقوة الصلبة إلى تفكيك قدرتها على إنتاج الولاء. لم يعد السؤال الجوهري ما إذا كانت عمليات خاطفة أو اختراقات داخلية قد حدثت فعلًا، بل لماذا يصبح من الضروري سياسيًا أن يَصدّق العالم أنها ممكنة ومقبولة. هنا تتحول السرديات الأمنية من مجرد وصف للوقائع إلى أدوات تعيد تشكيل الإدراك الجمعي لمعنى السيادة وحدود القوة، وتفتح الباب أمام تطبيع الإزاحة القسرية بوصفها إجراءً إجرائيًا لا حدثًا استثنائيًا.

السرديات المتداولة حول سقوط الأنظمة، كما في الحالة الفنزويلية أو غيرها، تقدّم نموذجًا مكثفًا لما يمكن تسميته رواية القوة المختصرة. هذه الرواية توحي بأن إسقاط الرؤساء لم يعد يحتاج إلى غزو أو احتلال أو تحالفات معقّدة، بل يكفيه اختراق واحد، وضربة دقيقة، وقصة مُقنِعة تُروى للرأي العام. غير أن هذه المقاربة تُبسّط واقعًا أكثر تعقيدًا، وتخلط بين الممكن عملياتيًا والمرجّح سياسيًا، وبين النجاح التكتيكي والشرعية الاستراتيجية التي لا تُكتسب بإنجاز لحظي بل بسياق بنيوي طويل.

العدسة التفسيرية هنا بسيطة وحاسمة في آن. فالسلطة لا تسقط حين تفقد السيطرة، بل حين تنتقل من الحكم إلى الإخضاع. عند هذه النقطة، لا تعود الشرعية ناتجة عن عقد اجتماعي أو قبول عام، بل تُدار عبر أدوات أمنية واقتصادية تُبقي المجتمع في حالة امتثال قسري. وحين يتحول الحكم إلى إدارة للبقاء، يصبح أي اختراق داخلي عامل تسريع، لا سببًا تأسيسيًا للسقوط.

من زاوية استخباراتية، لا يُعدّ الاختراق الداخلي أمرًا استثنائيًا. فقد ظلت المعلومة البشرية دائمًا أداة لتقليص ضبابية المشهد وفتح نوافذ القرار. غير أن المعلومة وحدها لا تُسقط دولة. أقصى ما تفعله هو تسريع لحظة حسم كانت شروطها قد نضجت مسبقًا. تحويل نافذة استخباراتية إلى فعل سيادي قسري، كاعتقال رئيس دولة داخل عاصمته أو من محيطه المباشر، ينقل العملية من حيّز العمل السري إلى حيّز الدولة، حيث تتداخل الحسابات السياسية والقانونية والجيوسياسية، وتتعاظم كلفة المخاطرة.

تُستدعى التكنولوجيا في هذه السرديات بوصفها الضامن للحسم. تُقدَّم المراقبة الجوية والقدرات السيبرانية كوسائل قادرة على شلّ دولة كاملة في ساعات. غير أن التحليل المهني يُظهر حدود هذه الصورة؛ فالتكنولوجيا تعزّز القرار لكنها لا تستبدله، وتقلّص المخاطر دون أن تحوّل الجغرافيا السياسية إلى مساحة معقّمة. أي تعطيل شامل يخلّف ارتدادات فورية إقليمية ودولية، ما يجعل كثيرًا من هذه الادعاءات أقرب إلى ردع إدراكي منها إلى توصيف تقني دقيق.

عند قراءة التجارب المقارنة، يتضح النمط بجلاء. في العراق، كثيرًا ما يُشار إلى اعتقال رأس النظام السابق ومقتل نجليه بوصفهما ثمرة خيانة داخلية. غير أن الوقائع تشير إلى أن الدولة كانت قد تفككت فعليًا: الجيش انهار، المؤسسات تلاشت، وشبكات الولاء تفتّتت. المعلومات التي قُدّمت عن مكان الاختباء لم تُسقط نظامًا قائمًا، بل أنهت ملف رأسٍ فقد دولته أصلًا. لم تكن الخيانة سبب السقوط، بل أداة إغلاقه.

الأمر ذاته يتكرر في ليبيا، حيث ارتبط مقتل القذافي بمعلومات من الداخل، لكنه جاء بعد مسار طويل من الانشقاقات والضغط العسكري وتآكل القيادة. لم تكسر الخيانة حصنًا صلبًا، بل دخلت بعد أن أصبح هشًّا. وفي بنما، سهّل تخلّي الدائرة الضيقة عن نورييغا اعتقاله خلال تدخل واسع. أما في تشيلي، فإن الإطاحة بأليندي لم تكن ضربة عسكرية خاطفة بقدر ما كانت نتيجة انقسام مؤسسي داخل الجيش والنخب. وعلى النقيض، قدّم انهيار الاتحاد السوفيتي مثال الخيانة الصامتة، حين توقفت النخب والأجهزة والجمهور عن الدفاع عن الدولة، فسقطت دون لحظة اعتقال رأس.

ويكتمل هذا النمط في السودان عام 2019. فرغم الزخم الشعبي، لم يكن الحسم في الشارع وحده، بل في تفكك الولاء داخل الحلقة الحاكمة. حين سُحب الغطاء عن رأس النظام، كانت الإزاحة مؤسسية محسوبة هدفت إلى حماية الجسد على حساب الرأس. هنا تتجلى مفارقة أساسية: أخطر لحظة في عمر أي نظام ليست لحظة العصيان، بل لحظة الصمت حين يختفي المدافعون عنه.

لا يمكن فصل هذه الوقائع عن تحوّل أوسع في النظام الدولي، حيث تتراجع السيادة المطلقة لصالح أشكال من السيادة المشروطة، وتتصاعد أنماط الصراع غير المباشر التي تُدار تحت عتبة الحرب المفتوحة. في هذا السياق، لا تُفهم الخيانة بوصفها فعلًا أخلاقيًا فرديًا، بل كعرض بنيوي لأزمة شرعية وتفكك عقد الحكم، حين يفشل التوازن بين السيطرة والرضا، وتنتقل النخب من منطق الولاء إلى منطق النجاة.

ومع تفكك الولاء، لا يعود الاقتصاد عنصرًا منفصلًا عن السياسة، بل يتحول إلى مسرح السقوط نفسه. تكشف التجربة الفنزويلية، خلال العقد الأخير، عن نموذج حكم حوّل الاقتصاد إلى أداة ضبط اجتماعي. فقد انكمش الناتج المحلي بأكثر من ثلاثة أرباع حجمه خلال أقل من عقد، وبلغ التضخم مستويات أفقدت العملة أي وظيفة حقيقية، وتراجعت الرواتب إلى حدود رمزية، ودُفع معظم السكان إلى ما دون خط الفقر. غير أن هذا الانهيار لم يُضعف النظام بقدر ما أعاد تشكيل أدوات سيطرته عبر شبكات الامتياز والمحسوبية والأجهزة.

وعند وضع هذه المؤشرات في سياق مقارن، يتضح الطابع البنيوي للأزمة. ففي حالات أخرى مثل زيمبابوي أو لبنان، ورغم قسوة الانهيار، أتاح كسر الاحتكار السياسي للاقتصاد أو وجود حد أدنى من التعددية مسارات تعافٍ جزئية أو نقاشًا عامًا حول الإصلاح. أما حين يجتمع الفساد المؤسسي، وعسكرة الاقتصاد، والتسلّط السياسي في منظومة واحدة، فإن الانهيار الناتج قد يفوق آثار حروب مدمّرة، ويحوّل الاقتصاد من رافعة شرعية إلى أداة إخضاع.

من هذا كله تتبلور قاعدة واحدة قابلة للتعميم: الخيانة لا تعمل في الفراغ. لم تكن يومًا الشرارة الأولى، بل العامل الحاسم بعد أن فقدت الدولة ركائزها الأساسية: السيطرة الميدانية، وتماسك المؤسسات، وشبكة الولاء، والشرعية.

في النهاية، لا تكشف الخيانة عن ضعف أفراد بقدر ما تكشف عن انهيار منظومة كاملة فقدت قدرتها على إنتاج المعنى والولاء. الدول لا تسقط في لحظة اختراق، بل في اللحظة التي يصبح فيها الدفاع عنها بلا جدوى، والولاء لها عبئًا لا قيمة له.

وما يلوح في الأفق ليس عالمًا أكثر استقرارًا، بل نظامًا دوليًا يتعايش مع إدارة الانهيار بدل معالجته، ويطبّع فكرة إزاحة الرؤوس بدل إعادة بناء الدولة. في هذا العالم، لا تكون السيادة محمية بالقانون أو الجيوش، بل بقدرة النظام على إقناع مواطنيه بأن البقاء فيه أولى من النجاة بدونه.

لسنا في زمن تسقط فيه الدول لأن خصومها أقوياء، بل لأن أنظمتها لم تعد تستحق أن تُدافع عنها. والخيانة، في هذا السياق، ليست السلاح الذي يقتل الدولة، بل المرآة التي تكشف أنها كانت ميتة قبل أن تُطعَن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى