
الزواج بين القرار الشخصي والمسؤولية الصحية
خالـصـة الصـلـتـية
عقب صدور المرسوم السلطاني للفحص قبل الزواج، لم يعد الزواج فعلا شخصيا معزولا عن محيطه، ولا قرارا تحكمه العاطفة وحدها، بل اصبح محطة تتقاطع عندها اختيارات الفرد مع مسؤوليات المجتمع، ويغدو فيها الوعي شرطا اساسيا لاستقرار الاسرة وسلامة الاجيال القادمة. فهذا المرسوم لا يغير شكل الزواج بقدر ما يعيد تعريف معناه، وينقله من مساحة القرار الفردي الخالص الى فضاء اوسع تتحمل فيه الاسرة والمجتمع والدولة مسؤولية مشتركة تجاه الصحة والحياة.
فالزواج، مهما بدا شأنا خاصا، لا يقف اثره عند حدود شخصين، بل يمتد الى اطفال لم يولدوا بعد، والى اسر تتحمل تبعات طويلة الامد، والى منظومة صحية تتحمل كلفة امراض كان يمكن الوقاية منها. ومن هنا، جاء تنظيم الفحص الطبي قبل الزواج ليقول بوضوح ان الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وان القرار الشخصي حين يتعلق بالصحة العامة، يصبح فعلا ذا اثر جماعي، يستدعي الوعي قبل الاندفاع.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية الى ان ما يقارب 5% من سكان العالم يحملون جينات لامراض وراثية قد لا تظهر اثارها الا عند الزواج والانجاب، وان نحو 7% إلى 8% من المواليد سنويا حول العالم يولدون باضطرابات وراثية او تشوهات خلقية متفاوتة الشدة، مؤكدة ان مئات الالاف من الاطفال يولدون سنويا وهم يعانون امراضا وراثية خطيرة، كان من الممكن تفادي نسبة كبيرة منها عبر الفحص المبكر والمشورة الطبية قبل الزواج. هذه المعطيات لا تطرح تحديا طبيا فحسب، بل تضع المجتمعات امام سؤال اخلاقي عميق حول حق الاطفال في ان يولدوا بفرص صحية عادلة، وحول مسؤولية الكبار في حماية هذا الحق قبل ان يتحول الى معاناة انسانية طويلة الامد.
وفي سلطنة عمان، تتخذ هذه الارقام بعدا اكثر حساسية، اذ يمكن وصفها بانها بيئة تتطلب وعيا مضاعفا تجاه امراض الدم الوراثية. فبحسب دراسات حديثة اجريت بالتعاون بين الجامعات الوطنية ووزارة الصحة، تشير البيانات الى ان نحو 5% من السكان يحملون جينا لفقر الدم المنجلي، فيما يحمل اثنان فاصلة واحد وستون في المئة جينا للثلاسيميا من النوع ب، كما ان اكثر من 1% من السكان يحملون جينات لامراض تمنجلية اخرى. وبذلك، فان ما يقارب 10% من سكان عمان يحملون جينات مرتبطة بسلسلة امراض الدم الوراثية من النوع ب، وهي من الانواع التي غالبا ما تكون ذات اثر صحي خطير. كما تظهر الدراسات ان نحو 48% من السكان يحملون جينا للثلاسيميا من النوع ا، ما يعني ان قرابة 60% من سكان السلطنة يحملون جينا واحدا على الاقل من جينات امراض الدم الوراثية.
لكن هذه الارقام، مهما بدت دقيقة، تبقى باردة اذا لم ننظر الى وجوه اصحابها. وبالنسبة لي، لم يكن فقر الدم المنجلي رقما في تقرير، بل كان اخا عاش المرض رفيقا دائما له. عرفت من خلاله معنى الالم المتكرر، والنوبات المفاجئة، والتنقل الدائم بين المستشفيات، والطفولة التي سلبها المرض، والشباب الذي عاشه تحت وطأة التعب والقيود الصحية. عرفت كيف تتحول حياة اسرة كاملة الى حالة ترقب دائم، وكيف يصبح القلق جزءا من تفاصيل اليوم، وكيف لا يكون المرض معاناة المريض وحده، بل عبئا نفسيا وانسانيا تتقاسمه العائلة باكملها. ثم كان الفقد، ذلك الوجع الصامت الذي يتركه المرض حين ينتصر، ويجعل السؤال اكثر قسوة: كم من هذا الالم كان يمكن تجنبه لو سبق القرار وعي؟
ويعد فقر الدم المنجلي من اكثر امراض الدم الوراثية انتشارا في السلطنة، وهو مرض يصيب نخاع الدم ويؤدي الى نقص مزمن في الدم مع تغير شكل كريات الدم الحمراء لتصبح هلالية تشبه المنجل، مسببة نوبات الم متكررة ومضاعفات صحية معقدة. كما تمثل الثلاسيميا تحديا صحيا وراثيا بارزا، اذ تؤدي الى تكسير مبكر لكريات الدم الحمراء وعجزها عن اداء وظيفتها الحيوية، ما يفرض على المصابين مسارا علاجيا طويلا يمتد طوال العمر. وتسجل حالات ولادة مرتبطة بالثلاسيميا الكبرى من النوع ب، وهو ما يعكس حجم العبء الصحي والانساني المترتب على غياب الوقاية المبكرة.
ولم تكن هذه التجربة وليدة السياق المحلي وحده، بل سبقتها تجارب خليجية واقليمية ودولية اثبتت ان تنظيم الفحص قبل الزواج يسهم في خفض الزيجات عالية الخطورة، ويقلل من ولادة اطفال يعانون امراضا وراثية مزمنة، دون ان يصادر حق الافراد في الزواج. ففي هذه التجارب، لم يكن الهدف المنع او التضييق، بل المعرفة، ولم يكن المسار اجبارا، بل تمكينا قائما على المشورة والوعي.
والاهم في المرسوم السلطاني انه لا يفرض قرارا، بل يفرض المعرفة. فهو لا يقول تزوج او لا تتزوج، بل يقول اعرف ثم قرر. وفي هذا التوازن الدقيق، تتجلى فلسفة الدولة الحديثة التي لا تتدخل لتصادر الحرية، بل لتكفل سلامتها، ولا تتقدم لتفرض الوصاية، بل لتضع الحقيقة امام المواطن وتترك له مساحة الاختيار الواعي.
ان تحويل الفحص قبل الزواج من خيار فردي الى ممارسة منظمة يعكس فهما عميقا لمعنى الصحة العامة، بوصفها شراكة بين الفرد والدولة. فالصحة لا تبقى شأنا خاصا حين تتعدى اثارها الجسد الفردي، ولا تنجح السياسات الصحية حين تغيب قناعة المجتمع. ومن هنا، فان نجاح هذا المرسوم لا يقاس فقط بتطبيقه القانوني، بل بقدرته على ترسيخ ثقافة ترى في الفحص حماية للاسرة، لا تشكيكا فيها، ورعاية للمستقبل، لا انتقاصا من الحلم.
في النهاية، يبقى الزواج قرارا شخصيا في جوهره، لكنه ليس معزولا عن نتائجه. وحين يلتقي القرار الشخصي بالمسؤولية الصحية، لا يخسر الحب شيئا، بل يكسب الاستقرار، ولا تتراجع الاحلام، بل تصبح اكثر امانا. فالمعرفة لا تفسد العلاقات، بل تحميها، والوقاية لا تقلل من قيمة الزواج، بل تمنحه فرصة ان يبنى على وعي، لا على صدفة، وعلى مسؤولية، لا على مجازفة .










