
بطولة الشبح!
✍ ترياء البنا
بعد انتهاء دور المجموعات من بطولة أمم أفريقيا، والذي مر بلا أية مفاجآت، بدأت حرب الترشيحات للبطل المنتظر بنسخة المغرب 2025، مع أولوية قصوى للمنتخب المضيف، وهو الآن يتربع على عرش المنتخبات العربية والأفريقية، بما حققه من إنجازات لم يسبقه إليها أحد، فأسود الأطلسي رابع مونديال كأس العالم قطر 2022، وشبابهم أبطال كأس العالم، كبارهم نجوم وصغارهم نجوم، والبطولة على أرضهم ووسط جماهيرهم العريقة، والتي- بكل صراحة- تمثل ملح البطولة.
ولكن رغم كل ذلك، فالأمر ليس بهذه البساطة، ولا يمت للبديهية بصلة، خاصة في كأس الأمم الأفريقية، لأنها بطولة الشبح- كما عودتنا دائما- بطلها دائما يأتي من بعيد، ولا يكون مرشحا أبدا للقب، وهذا يدل بما لا يدع مجالا للشك، على أن أمم أفريقيا من أفضل البطولات بعد مونديال كأس العالم ودوري أبطال أوروبا(على الأقل من وجهة نظري الشخصية، وأنا المتابعة للبطولة منذ طفولتي).
الجميل في أفريقيا أنها دائما المنجم، الذي يجود في بطولته بالنجوم الجدد، ومع كل بطولة تتصعب مهمة الفوز بالكأس، لأن المنتخبات الأفريقية تتطور بشكل مذهل، وتعد أمم أفريقيا المتنفس الأول لإعلان نجوم المستقبل عن أنفسهم أمام أعين أندية الدوريات الكبرى، في ظل الفقر المدقع لبلدانهم، والأهم من ذلك، هو أن اللاعبين الأفارقة عكس اللاعبين العرب، فمع مرور الوقت في المباريات تزداد لياقتهم البدنية، فيما لاعبونا مع منتصف الشوط الثاني تتلاشى قواهم البدنية، الأمر الذي يجعل الذهاب إلى وقت إضافي أو ركلات ترجيح، شديد الخطورة على منتخبات شمال أفريقيا( كما حدث في لقاء تونس ومالي)، وقبلها لقاءات كثيرة على مدار تاريخ البطولة.
وبالرجوع إلى التاريخ نجد أنه مثلا في نسخة 1998 بوركينا فاسو، لم يكن منتخبنا المصري مرشحا للبطولة، بل كان المرحوم محمود الجوهري يواجه هجوما شرسا، خاصة مع اختياراته للاعبين وعلى رأسهم المدرب الحالي للفراعنة حسام حسن بداعي كبر السن( ليفاجئ حسام الجميع بأن يكون هدافا للبطولة برصيد 7 أهداف، متساويا مع ماكارثي نجم جنوب أفريقيا)، ويسير الفراعنة خطوة بخطوة حتى يجدوا أنفسهم في النهائي الذي ابتسم لهم ولأحمد حسن وطارق مصطفى، في نسخة لن ينساها أي مصري.
كذلك نسختا 2006 بالقاهرة، و2010 بأنجولا، والتي حقق خلالها الفراعنة لقبهم السابع والأخير حتى الآن، لم يكن المنتخب المصري مرشحا للقب، وفي نسخة 2019 بالقاهرة لم يكن منتخب الجزائر مرشحا للقب، هذه فقط مجرد أمثلة بسيطة من تاريخ طويل للبطولة، فقد عودتنا أن البطل يشيح اللثام عن وجهه في آخر اللحظات.
خلال هذه النسخة، ظهرت منتخبات مثل السنغال، كوت ديفوار، الكاميرون، بشكل متوازن منذ البداية، يقدمون أداء على قدر المنافس، دون ضجيج أو (شو) لا قيمة له في مستهل المنافسات، ولكن مع كل خطوة يرتفع الرتم أيضا بدرجة مناسبة لحجم المباراة والمنافس، كما فعلت السنغال في نسخة الكاميرون 2022، وخطفت لقبها الأول في البطولة أمام الفراعنة، وخطفت منهم أيضا بطاقة التأهل لمونديال قطر 2022، وهو الأمر الذي لم يكن متوقعا أبدا.
أخيرا.. من أهم جماليات بطولة كأس أفريقيا، أن بطلها دائما يبدأ مستكينا، ويمشي رويدا رويدا، لا يتوقعه أو يرشحه أحد، ولا نشعر به إلا في آخر الطريق، ولا أستبعد أبدا أن يتكرر الأمر، ويكون البطل أحد الأسماء التي لم تتردد أبدا على لسان المحللين والنقاد والإعلام أو حتى الجماهير.










نظرة ذات مغزى وتعكس فهمًا عميقًا لطبيعة كأس الأمم الأفريقية بعيدًا عن منطق الترشيحات السهلة. النص يُحسن تفكيك الفكرة الشائعة بأن الأفضل على الورق هو الأوفر حظًا، ويستند بذكاء إلى التاريخ والوقائع لا إلى الانطباعات. اللافت هو الربط بين العامل البدني، والبعد النفسي، وسيناريو “البطل القادم من الظل”، وهي قراءة ناضجة تُحسب للكاتب. المقال لا ينفي قوة المغرب أو غيره، لكنه يضعها في إطارها الصحيح داخل بطولة اعتادت كسر القواعد، وهذا جوهر النقد الرياضي الحقيقي: فهم السياق لا مطاردة العناوين.
الله يبارك في عمرك يارب دكتور.. شكرا لهذا المرور الراقي
طرح متزن وواقعي يلامس جوهر كأس الأمم الأفريقية؛ بطولة لا تعترف بالترشيحات ولا تنحاز للمنطق المسبق. صحيح أن المغرب يدخل بثقل الإنجاز والأرض والجمهور، لكن تاريخ البطولة يؤكد أن الكأس لا تُمنح للأقوى على الورق، بل للأذكى في إدارة التفاصيل واللحظات الحاسمة. أفريقيا دائمًا تفاجئ، وبطلها غالبًا يأتي بهدوء ومن خارج دائرة الضوء… وهذا سر سحرها الذي لا يخيب
بالضبط، شكرا لمرورك