
حين يتعلّم المؤدي الصوتي كيف يواجه من يعكّر صفوه
فؤاد شمص
“حتى وإن كنتَ صنمًا صامتًا سيأتي أحدهم ليعكّر مزاجك.”
جملة تبدو للوهلة الأولى فلسفية، ساخرة، وربما موجعة… لكنها بالنسبة للمؤدي الصوتي ليست مجرد حكمة؛ إنها درس مهني بامتياز.
فالمؤدي الصوتي، مهما كان موهوبًا، حساسٌ بطبيعته. يعيش بانفعالاته، يتغذّى على مزاجه، ويعتمد على اتزان داخلي ليتمكن من تقديم أداء صادق، سلس، ومؤثر. لكن الحقيقة التي يتغافل عنها بعض المبتدئين هي أن البيئة من حولهم لن تُهيّأ خصيصًا لهم.
سيأتي من يعكّر مزاجك… في لحظة تسجيل، في لحظة تركيز، قبل أداء مهم، أو بعده. أحيانًا شخص، أحيانًا موقف، وأحيانًا كلمة عابرة.
وهنا تبدأ أهمية هذه العبارة.
ماذا يستفيد المؤدي الصوتي من هذا الدرس؟
1. لأن المزاج ليس حجة… بل تمرين.
المؤدي المحترف لا ينتظر مزاجًا مثاليًا ليعمل.
هو يتعلّم أن يفصل بين “حاله الداخلي” و“صوته الخارجي”، لأنه يعرف أن الأداء مسؤولية، وليس حالة عاطفية مؤقتة.
2. لأن العالم لن يتوقف احترامًا لتسجيلك.
قد يرنّ الهاتف، قد يحدث توتر عائلي، قد تُستفَز بكلمة، وقد تسمع ضجيجًا خلف الباب.
لكن صوتك يجب أن يعلو فوق كل ذلك — ليس ارتفاعًا، بل ثباتًا.
3. لأن السيطرة على الذات أهم من السيطرة على الميكروفون.
الميكروفون لا يسجّل صوتك فقط، بل يسجّل روحك.
وأصغر “تعكير” قد يظهر على نبرة، أو تنفّس، أو كلمة خرجت من فمك بلا عاطفة.
4. لأن خصومك الحقيقيين ليسوا الناس… بل الانفعال الداخلي.
القادر على تهدئة نفسه هو القادر على إتقان أدائه.
والقادر على تجاوز الإزعاج هو القادر على تقديم أداء نقّي مهما كانت الظروف.
أهمية هذه العبارة للمؤدي الصوتي
هذه العبارة ليست للتحسّر، بل للتأهيل.
هي عبارة تقول لك:
لن تتمتع بالهدوء الكامل… فافتح عينيك وتدرّب على الأداء رغم الفوضى.
المؤدي الذي يتقن هذا الدرس يصبح:
قادرًا على التسجيل في ظروف صعبة دون أن يفقد الإحساس.
قادرًا على عزل مشاعره السلبية قبل أن تصل إلى المايك.
قادرًا على تحويل الانزعاج إلى طاقة فنية، وإلى نبرة مقنعة حين يحتاجها.
قادرًا على البقاء محترفًا، لأن الاحتراف الحقيقي يبدأ من الداخل.
لن تكون يومًا “صنمًا” مهما حاولت.
أنت مؤدي… قلبك مفتوح وصوتك مكشوف.
والعالم سيعكّر مزاجك — شئت أم أبيت.
لكنّ الفرق بين مؤدٍ عابر ومؤدٍ محترف…
أن الأول ينهار مع أول إزعاج،
والثاني يبقى ثابتًا، يبتسم، ويضغط على زرّ التسجيل…
وكأن شيئًا لم يحدث.
وهذه هي العظمة الحقيقية في الأداء الصوتي:
أن تظلّ أنت… مهما حاول العالم أن يهزّك.









