الحرب الدائرة وإسقاطاتها على الواقع العربي
الدكتور/ عدنان بن أحمد الأنصاري
محلّل سياسي، ودبلوماسي، وسفير سابق
السنوات القادمة لن ترحم الكيانات التي تؤجل البناء العميق.
الحرب الراهنة لا تعيد رسم خرائط الردع في المشرق والخليج فقط بل تعلن نهاية مرحلةٍ كاملة كان فيها ممكناً التعايش مع هشاشة الأمن الذاتي تحت سقف الحماية الخارجية.
القمة فعلًا لا تُنال بقفزةٍ واحدة.
وفي السياسة كما في العمران لا يكتمل البناء إلا باللبنة التي يعرف صاحبها أن المجد الحقيقي ليس في الضجيج بل في العمل المتصل الذي لا يراه أحد… حتى تظهر نتائجه في لحظة الاختبار الكبرى.
هنا نفهم السؤال الصادم كيف تستطيع إسرائيل أن تحارب باستمرار بينما تقف دولٌ عربية كثيرة رغم جيوشها الجرّارة عاجزةً عن الدفاع عن نفسها دون تدخل أجنبي؟
الجواب ليس في التفوق العرقي كما يروّج بعض الخطاب المنهزم ولا في القدر التاريخي كما يتوهم المهووسون بالحتميات بل في عناصر سياسية-استراتيجية ملموسة يمكن رصدها وقياسها.
أول هذه العناصر أن إسرائيل منذ تأسيسها بنت أمنها القومي على عقيدة واضحة نسبيًا: الردع والإنذار المبكر والحسم العملياتي مع دمج الدفاع المدني والعسكري.
وهذه ليست مجرد شعارات نظرية بل إطارٌ يربط القرار السياسي بالبنية الاستخبارية والعسكرية والتعبئة المجتمعية.
والوثائق الإسرائيلية الحديثة ما زالت تؤكد هذا المثلث الأمني وتضيف إليه الدفاع المدني بوصفه جزءًا من مفهوم الأمن القومي لا تفصيلًا ثانويًا.
معنى ذلك أن الحرب هناك ليست شأن الجيش وحده بل شأن الدولة والمجتمع والاقتصاد والتقنية والإدارة.
ثانيًا تقوم القوة الإسرائيلية على نموذج جيش-أمة أكثر من قيامها على جيشٍ منفصل عن المجتمع.
الخدمة الإلزامية والاحتياط وسرعة التعبئة والربط بين المؤسسة العسكرية والجامعة وقطاع التكنولوجيا كلها تجعل الحرب امتدادًا لبنية المجتمع لا حالةً طارئة عليه.
صحيح أن هذا النموذج يواجه أزمات داخلية وضغوطًا سياسية واجتماعية لكنه ما يزال يمنح إسرائيل قدرةً أعلى على الاستدعاء السريع والتعلّم الميداني وتوليد الكفاءات التقنية والقيادية.
ولذلك فإن المسألة ليست عدد الجنود فقط بل نوعية العلاقة بين المجتمع ومفهوم الأمن.
ثالثًا، لا تخوض إسرائيل الحرب بسلاحٍ مستوردٍ فقط بل ضمن منظومة ابتكار عسكري-تكنولوجي سريعة الدوران.
فالمسافة بين الميدان والشركة الناشئة والمختبر ووزارة الدفاع قصيرة نسبيًا ما يسمح بتحويل التجربة القتالية إلى تعديلٍ تقني سريع.
وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن وزارة الدفاع الإسرائيلية سرّعت التراخيص والعقود لمئات الشركات الصغيرة والناشئة وأن نصف قدراتها المضادة للمسيّرات تقريبًا بات يعتمد على شركاتٍ من هذا النمط.
هذا يعني أن الحرب بالنسبة إليها ليست استنزافًا فقط بل أيضًا محرّكًا لتحديث الأدوات مهما كانت الكلفة الأخلاقية والسياسية لتلك الحروب.
رابعًا تتمتع إسرائيل بدعمٍ غربيٍّ سياسي وعسكري وتكنولوجي متراكم وبخاصة من الولايات المتحدة فضلًا عن ترسيخ مبدأ التفوق النوعي في تسليحها منذ عقود.
المال قد يشتري السلاح لكنه لا يشتري تلقائيًا القدرة الاستراتيجية.
الحرب الدائرة الآن تؤكد هذه الحقيقة بوضوحٍ شديد.
فالمنطقة لا تشهد فقط تبادل ضربات بل اختبارًا قاسيًا لمفاهيم الأمن الإقليمي كلّه.
نريد استقلالًا استراتيجيًا من دون إصلاح تعليم العلوم والهندسة.
نريد ردعًا إقليميًا من دون صناعة إلكترونيات دقيقة ومحركات وذخائر ومواد مركبة.
نريد جيشًا حديثًا من دون ثقافة مساءلة وتقييم وتعلّم من الأخطاء.
نريد وحدة موقف من دون مؤسسات عربية فاعلة لتنسيق الاستخبارات والتصنيع والقيادة اللوجستية.
نريد نصرًا سريعًا من دون صبرٍ على بناء القاعدة الصناعية الدفاعية جيلاً بعد جيل. هذه كلها صورٌ من انتظار المعجزة في المجال الاستراتيجي.
إن ميزان القوى لا يحترم النوايا بل يحترم التراكم. والسيادة ليست إعلانًا لغويًا بل قدرةٌ عملية على فرض تكلفةٍ معتبرة على الخصم وعلى امتصاص الصدمة وعلى الاستمرار في القتال أو الردع دون انهيار البنية الوطنية.
والدرس الأهم من الحرب الحالية إصلاح التعليم النوعي تأسيس منظومات بحث عسكري ومدني مزدوجة الاستخدام بناء صناعات دفاعية حقيقية لا تجميعية فقط تطوير الاحتياط والتعبئة الوطنية ربط الجامعات بالمجمعات الصناعية إنشاء قواعد بيانات وخبرات وتدريب ومحاكاة تنمية أخلاق العمل العام والانضباط المؤسسي والانتقال من ثقافة الشخص إلى ثقافة النظام.
وما لم يبدأ العرب من هنا فسيبقون أسرى السؤال ذاته في كل حرب جديدة: لماذا يقاتل الآخرون بفاعليةٍ أعلى بينما نملك نحن كثافةً بشرية وموارد وخرائط ومواقع ثم نظل في حاجةٍ إلى المظلة الأجنبية؟.










