أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الـسُّـمْـعَـة والإسـم..

الدكـتـور/ بـسـام أبـو عـبـدالله

 

الـسُّـمْـعَـة والإسـم..

 

منذ الصباح الباكر، وأنا أفكر في عنوان، ومضمون مقالي الأسبوعي، تتقاذفك الأفكار والاحتمالات للكتابة، لأنها ليست عملاً وظيفياً روتينياً، بل لأنها مسؤولية كبيرة أمام الرأي العام، فالكلمة أصبحت أخطر سلاح يستخدم لتشكيل الوعي، فإذا كتبت عن الحرب في أوكرانيا، والواقع الدولي الملتهب، والتحولات التي يشهدها العالم سيقال لك مباشرة دعنا نهتم بواقعنا الصعب والقاسي، ودعنا نعمل على معالجة ما نحن فيه، من دون أن يدرك الناس أننا جزء من هذا العالم نؤثر ونتأثر بما يجري فيه، ولا يمكن الفصل الميكانيكي البسيط بين ما جرى في بلدنا وعليه، وما بين ما يجري في العالم، لأن أصل الحرب علينا هو لتغيير خريطة المنطقة، وبالتالي محاصرة منافسي الغرب الأنغلوساكسوني الذين لا يريدون إزالة أحد، ولكن يريدون أن يحترم هذا الغرب الجماعي خصوصيات المجتمعات والشعوب وعاداتهم وتقاليدهم وأديانهم، وأن يتشاركوا معه في هذا العالم ليس بطريقة استعلائية متكبرة، ولكن بطريقة محترمة تؤمن بالتنافس الإيجابي وليس السلبي، وعقلية الهيمنة.

هذا أمر أصبح مفهوماً للكثيرين، ولكن الشيء الذي لا يفهمه كثير من الناس هو كيف يمكننا المواجهة، وتقديم قصتنا للعالم، ونحن نعاني من نقاط ضعف كثيرة؟ وأصلاً خصومنا وأعداؤنا يعرفونها، ويدلوننا عليها، وفي كل يوم يدفعون لنا بالفيديوهات والأخبار، والتقارير التي تكشف بشكل لا لبس فيه هذه الثغرات الكبيرة التي تنهش جسدنا، وتؤدي لإضعاف الانتماء الوطني، وخاصة في ضوء حصار خانق يزداد شراسة، وفي ضوء شبكات فساد تزداد ازدهاراً حتى تحولت الأمور إلى نشاط عادي نتابعه كما نتابع أخبارنا اليومية والعادية، والخطورة في الأمر أن قوى العدوان تريد أن تصور الأمر بأن الدولة ومؤسساتها وأحزابها وقواها الاجتماعية كلها فاسدة، ويجب اقتلاعها كي تصبح الأمور على ما يرام، وكأن النماذج التي رعتها هذه الدول في المنطقة هي نماذج براقة، ويقتدى بها، وضمن هذا الطرح الإشكالي، سأحاول تناول بعض النقاط المهمة:

1- القناعة الأساسية التي يجب أن نرسخها في أذهاننا أن العلاقات بين الدول تقوم على المصالح، وليس الخطابات الدبلوماسية، وبالتالي فإن الغرب الجماعي لا يهمه في سورية مصير الشعب السوري ولا مستقبله ولا الديمقراطية والحريات، إذ عندما يتعلق الأمر بأمنهم القومي ومصالحهم لا يرحمون أحداً بما في ذلك مواطنيهم، وقال أحد النواب البريطانيين قبل أيام في مجلس العموم: «هؤلاء ليسوا متظاهرين، هؤلاء مجرمون»!، ومباشرة خطر ببالي أن أسأل هذا النائب: ماذا لو وجدت دولة تقدم للمتظاهرين في بريطانيا السلاح والإعلام، وأكثر من 137 مليار دولار لدعم حريتهم، ومطالبهم المحقة! ماذا سوف تطلق على هؤلاء؟ خارجون عن القانون أم خونة، أم ماذا؟ هنا أريد التأكيد أن لا أحد يهتم إلا بمصالحه واستقراره، والغرب الجماعي منافق وكذاب.

2- هل يعني وصف الغرب الجماعي، وقواه الحاكمة بهذه الأوصاف شهادة براءة لنا من قصص الفشل التي لا علاقة له بها؟!

لا أبداً، فالحق ليس على الإمبريالية كما كتبت في مقال سابق لي، بل الحق علينا فيما يخص قضايانا المحلية التي أدرك أن جزءاً منها يرتبط بالحرب علينا، ولكن الجزء الأهم يرتبط فينا، وبقدراتنا الذاتية، وهنا أود أن أشير إلى أن أحد الأصدقاء أرسل لي مقالاً كتب عن مسؤول بعثي سابق، وأُفضل مسؤول حزبي سابق، وطرق وصوله للكرسي، وحتى لشهادة الدكتوراه، وهذا المسؤول السابق كان يخطب ويناضل ويدفع المال للاستمرار لكنه سقط في النهاية! ومع ذلك فإن هذا النموذج، وغيره من النماذج لا يمكن أن يشكل سوى عامل إحباط لكثيرين في الوطن، وفي الوقت نفسه ثغرة للتسلل من خلالها من قبل القوى المعادية، لأتساءل: هل السمعة والاسم، عامل مهم لدينا في انتقاء الكفاءات، ووصولها للمواقع الحكومية والحزبية وغيرها؟

أجيب بنعم، ولا! نعم: لأنه من الموضوعي والعلمي عدم توصيف المؤسسات بصفات الأفراد أي أن الأشخاص فاسدون، وليس المؤسسات بكاملها.

ولا، لأن هناك طرقاً يصل بها هؤلاء، بدليل أن هذه الشخصية وغيرها، لا تزال تسرح، وتمرح أمام أعيننا، من دون أن نتمكن من فعل شيء، والأخطر أن الفاسد يحتاج لشبكة من المتعاملين معه كي يتمكن من تحقيق مآربه وأهدافه، لتتحول الخطورة إلى سرطان يقتل الخلية الحية الفاعلة في سبيل أن يستمر.

3- إذا كُنا لسنا مهتمين بالسمعة والاسم، وتاريخ الشخص، فهذا الأمر سيحول الفاسدين إلى نماذج قدوة، ويصبح الشاذ قاعدة، والقاعدة شذوذاً، ما يؤدي إلى أن كثيرين سيجدون أن هذا الطريق هو الأسلم والأسرع، وسوف يسلكونه، مقابل ذلك فإن شبكات الفساد والمحسوبيات، سوف تغلق الباب على أي شخصية تحمل سمعة واسماً محترماً، لأنها تجد فيه خطراً على مصالحها وانتهازيتها ومنافعها، وهنا كي لا يفهمنا أحد بشكل خاطئ أقول بوضوح كبير: إن هناك شخصيات محترمة وذات سمعة رائعة موجودة في كل المفاصل، ولكنها غالباً ما تتعرض لحرب غير معلنة لإبعادها، وهذه طبيعة الأشياء عندما تكون خياراتك صحيحة في هذا الزمن الصعب.

4- كي لا نستسهل الأمر نظرياً لابد من القول إن معالجة هذه القضايا تحتاج إلى :

أ‌- تطبيق مبدأ الثواب والعقاب.

ب‌- تطبيق القانون بصرامة.

ت‌- التدقيق في الآليات، والطرق للوصول لمواقع المسؤولية العامة، وأن تكون أكثر شفافية.

ث‌- تعزيــز دور الإعــلام، وطــرق الرقابــة لمــن يعمــل بالشــأن العام.

5- إن بؤر الفساد تشكل مادة خصبة لتسلل القوى المعادية، وتطبيق الجواسيس والخونة، وعلينا أن نتعلم من دروس الحرب السورية من أن كثيراً من الفاسدين في المرحلة الماضية تحولوا فجأة إلى ديمقراطيين ومعارضة سياسية، وليس عن قناعة فكرية، وإنما بالمال الذي دُفع لهم، والمال كان العامل الأساسي في تحريك البسطاء كوقود لمصالحهم، وركبوا موجة المعارضة، وتاجروا بنا صباح مساء على شاشات الفضائيات، وفي المؤتمرات، وعواصم العالم، والحقيقة أن كل شخص قابل للبيع والشراء، وليس لديه انتماء حقيقي، وحرص على سمعته واسمه، هو شخص لا يمكن التعويل عليه.

6- إن القضية التي نناقشها لا ترتبط بالغنى والفقر، فهناك أغنياء انخرطوا في التآمر على بلدهم، وكذلك فقراء، والعكس صحيح أيضاً، ولذلك فالأمر يرتبط بالمنظومة الأخلاقية، وبالرسالة التي يحملها الشخص في هذه الحياة، والبصمة التي قرر أن يتركها للناس، لأن سنّة الكون تقول: لن يأخذ أي منا معه إلى قبره مالاً ولا جاهاً ولا دولارات ولا فيلات، بل سمعة واسماً فقط، وإذا كان البعض سوف يرى في كلامي تنظيراً لا علاقة له بالواقع، فإنني أنصحه بقراءة الدروس والعبر في محيطه القريب والبعيد، وأن يدرك أن الحياة أقصر مما نتصور، وأن البصمة التي سوف يتركها هي ما سوف يبقى في ذاكرة الناس، وتذكروا أن يوسف العظمة هو من بقي في ذاكرة السوريين، وليس أولئك الذين حملوا عربة الجنرال غورو، وتذكروا أن ما سيبقى لأبنائك وأحفادك السمعة الحسنة أو السيئة، ولن تنفعنا كل أموال الدنيا عندما يقال عنا إننا خونة أو فاسدون أو لصوص، فمجتمعاتنا متشابكة العلاقات، ويعرف الناس بعضهم بعضاً، وأدرك أن هذا الخيار الذي أتحدث عنه، هو خيار قد يراه البعض مثالياً وطوباوياً، ولكن لم تُبنَ الأمم والشعوب إلا بمثل هؤلاء الأشخاص ذوي السمعة والاسم.

7- النقطة الأخيرة أن شعبنا يتفاءل بالشخصيات ذات السمعة، والاسم المعروف، ويرى فيها نماذج قدوة، ومن دون هذه النماذج لا يمكن التقدم للأمام أبداً، ولا إنجاز أي مشروع إصلاحي حقيقي، لأن مثل هذا المشروع يحتاج لحوامل حقيقية، ومؤمنة به، وتعمل عليه، وتنتمي إليه فكراً ووعياً وممارسة، وإذا كان مثل هذا الكلام، يبدو خارج السياق العام الذي يراه البعض مظلماً، فإنني على الرغم من الظروف القاسية، والصعبة جداً في بلادنا، مازلت أؤمن إيماناً عميقاً بأن الفجر ينبثق من الظلمة، وبأنه بقدر ما يستطيع الفاسدون أن ينسجوا شبكاتهم الخاصة، على القوى الخيرة والوطنية وهي الكتلة الوازنة، أن تنسج علاقاتها وتكثف جهودها لمواجهة هؤلاء بذكاء ودهاء إيجابي لإحداث التغيير المطلوب.

لا يجوز إلقاء المسؤوليات تارة نحو الأعلى، وتارة نحو الأدنى، ولابد لنا جميعاً من توحيد جهودنا معاً في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة، ليس من خلال تمنين الوطن بكل خطوة نقوم بها، ولكن من خلال إيماننا العميق بأن نكون قدوة حسنة للآخرين ومن خلال العمل، حيث نستطيع إنقاذ بلدنا وشعبنا.

يقول الأديب الروسي ليو توليستوي : «الجميع يفكر في تغيير العالم، لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى