مَــدَد يا آل بيـت النـبـي..

الدكتور/ محمد السعيد إدريس
mohamed.alsaid.idries@gmail.com
مَــدَد يا آل بيـت النـبـي..
أن أكتب في حب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحب آل بيته الطاهرين فهذه مكرمة كبيرة من الله سبحانه وتعالى.
لسنوات طويلة بقيت بعيداً عن الخوض في كتابات من هذا النوع معتقداً أن هذا النوع من الحب يجب أن تبقى له خصوصيته، لكن إقدامي على الخوض فيما ترددت كثيراً في السابق عن الخوض فيه، له قصة من حق القارئ الكريم أن يتعرف عليها، ومن واجبى أن أعرضها بتسلسل حدوثها لعل ذلك يلقي مزيداً من الضوء على ما أريد أن أصل إليه.
بدأت القصة بزيارة قمت بها إلى مقام سيدتي “فاطمة النبوية” الواقع في قلب حي الدرب الأحمر. كنت قد اعتدت الزيارة لما يربطني بالسيدة النبوية ، التي هي السيدة فاطمة بنت مولانا الإمام الحسين، من روابط نسب ومحبة، فهي الجدة الكبرى للسادة الأدارسة من زوجها الحسن المثنى ابن عمها سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب. فمولاي إدريس الأكبر جد الأدارسة المنتشرين في كثير من الأقطار العربية هو حفيد السيدة فاطمة بنت الحسين من ابنها عبد الله الكامل أو عبدالله المحض، أي كامل أو محض الانتساب النبوي لأنه جمع بين سيدنا الإمام الحسن بن علي من أبيه الحسن المثنى، وبين سيدنا الإمام الحسين من أمه السيدة فاطمة بنت الحسين.
عدت من هذه الزيارة مهموماً بعد ما تكَرَّم عليّ شيخ المسجد بدخول المقام الكريم وبقائي وحدي داخله لفترة ممتدة عشت فيها أجمل لحظات العُمر، وأدركت أن السيدة تخاطبني بحنو آسر أن أكون حفيداً باراً بها وبمقامها ومسجدها.
خرجت من المقام وأنا مفعم بالهموم وأتساءل من أين وكيف يمكنني أن أفي بكل متطلبات تطوير وتجميل المقام والمسجد، خاصة أن المسجد يقع في نهاية شارع الدرب الأحمر ولا يربطه بما حوله غير شوارع ضيقة، وليست له ساحة كغيره من المساجد الكبرى؛ كانت المهمة ثقيلة الوطأة على قلبي، ووصلت إلى قرار مفاده أن أقوم بأفضل ما أستطيع بإمكانياتي المحدودة، والله المستعان.
وما هي إلّا أياماً معدودة وبالتحديد يوم الأحد (25 يوليو الفائت) حتى قرأت توجيهات رئيس الجمهورية لكبار المسؤولين بتجديد وترميم أضرحة ومقامات “آل البيت” الكرام، وأن الرئيس يتابع بنفسه تطوير مسجد السيدة زينب والسيدة نفيسة وسيدنا الإمام الحسين رضى الله عنهم جميعاً؛ عندها أدركت أن هذه فرصتي وما على إلّا أن أكتب زاوية من الزوايا التي يكتبها الزملاء في “الأهرام” بصفحات الرأي، أناشد فيها المسؤولين إعطاء مسجد السيدة “فاطمة بنت الحسين” التي يسميها أهالي الدرب الأحمر بـ “النبوية” تكريماً لها وتقديراً لمكانتها المحورية بين آل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن لأسباب تخص قواعد النشر عرفت بتعذر كتابة تلك “الخاطرة” في مربع صغير، وكانت الرسالة، التي أحمد الله عليها هي : لماذا لا تكتب مقالاً كاملاً تقول فيه كل ما تريد في المكان المخصص لك أسبوعياً في “الأهرام” ؟!، وهنا كان التحدي.
لم يعد الأمر مجرد كتابة “خاطرة” أناشد فيها المسؤولين العناية بمقام ومسجد السيدة فاطمة بنت الحسين، ولكن وجدتني أمام متسع من المعاني والمفاهيم التي تخص آل بيت النبي عموماً وفى مصر على وجه الخصوص وبالتحديد لماذا أحب المصريون إلى درجة العشق، سيدنا النبي وآل بيته الطاهرين ؟، ولماذا أحبهم أيضاً آل بيت النبي وقبلهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟، لأن هذا الحب المتبادل يكشف الخصوصية المصرية في قلب الرسالة المحمدية، ويفسّر أحد الجوانب المهمة في الحب المصري الجارف لآل بيت النبي الذي حمى المصريّين من السقوط في أتون الصراعات المذهبية بين سنة وشيعة كما هو حادث في بلدان إسلامية وعربية أخرى كثيرة؛ فالمصريون هم أهل السنة العاشقون لسيدنا رسول الله وآل بيته الطاهرين عشقاً يفوق كثيراً ممن تشيعوا وانغمسوا في صراعات مذهبية لا طائل منها مع إخوانهم من أهل السنة، صراعات لا تخدم غير أعداء الأمة.
وإذا كان التَّعرُّف الأول للمصريّين على آل بيت النبي قد بدأ بتشريف السيدة زينب في وقت عصيب؛ حيث جاءت إلى مصر في أعقاب فاجعة استشهاد الإمام الحسين وأبنائه وآله وأنصاره في كربلاء يوم العاشر من شهر المحرم عام 61 هجري، فإن تواتر دخول آل البيت أخذ يتزايد خاصة بعد تعاقب وصول ثلاثة رؤوس لثلاثة من الأئمة الكبار من آل البيت قطعها غدراً واستكباراً هؤلاء المتكالبين على السلطة والسلطان خشية على سلطانهم في وجود مثل هؤلاء السادة الأشراف من بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ كانوا على يقين داخلي أنه “لا شرعية لحكمهم في وجود الأئمة من آل البيت الذين هم أحق بالسلطان”.
والرؤوس الثلاث الشريفة حسب أسبقية وصولها إلى مصر جاءت على النحو التالي:
الأول : رأس سيدى زيد بن سيدى علي بن الحسين (زين العابدين) إثر خروجه على حكم الأمويّين بعد نكبة كربلاء. والثاني : رأس سيدى إبراهيم (الجواد) بن عبد الله (المحض) ابن الحسن المثنى بن الحسن بن علي رضى الله عنهم؛ فهو شقيق الإمام إدريس الأكبر والإمام محمد النفس الزكية جدتهم السيدة فاطمة النبوية؛ خرج وشقيقه محمد النفس الزكية على أبناء العمومة العباسيّين لغدرهم للاتفاق بينهم على أن يتولى محمد النفس الزكية بن عبد الله المحض الولاية عقب سقوط حكم الأمويّين، قتلهما الخليفة أبو جعفر المنصور، ووصل رأس إبراهيم “الجواد” إلى مصر ودفن في المسجد المعروف باسمه في المطرية؛ أما الرأس الثالثة فهي رأس سيدنا ومولانا الإمام الحسين.
وصول هذه الرؤوس الثلاث الشريفة إلى مصر لم يكن محض صدفة، بل هو امتداد للمعنى الكبير والمغزى الذي اختارت به السيدة زينب مصر مقراً لها بعد ثورة المدينة المنورة التي أعقبت نكبة كربلاء ضد حكم يزيد بن معاوية، والتي كان للسيدة زينب الدور الأكبر فيها؛ مما جعل عمرو بن سعيد والي المدينة المنورة يستنجد بيزيد قائلاً : “إني أخاف على ملك الأمويّين من زينب بنت علي فقد اجتمع الناس حولها”، وهنا يأمر يزيد بأن تغادر زينب المدينة إلى حيث تشاء من أرض الله غير الحرم الشريف في مكة المكرمة، واختارت السيدة زينب مصر لتهاجر إليها ولتغرس في تربتها غصناً طيباً من الدوحة المحمدية المباركة.
لماذا اختارت السيدة زينب مصر بالذات ؟!.
الجواب على ذلك ورد على لسان ابنة عمها السيدة زينب بنت عقيل بن أبى طالب وقولها : “يا بنت عماه، قد صدقنا الله وعده ، وأورثنا الأرض نتبوأُ منها حيث نشاء؛ فطيبي نفساً وقرّي عيناً وسيجزي الله الظالمين .. ارحلي إلى بلد آمن”؛ هل هو الأمن والأمان فقط ؟!!.
كلا إنه الحب والمودة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإعمالاً لقول الله سبحانه وتعالى في خطابه لنبيه الكريم (قُل لاَّ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى) (الشورى:23)؛ فلم يغب عن المصريّين أبداً قول الإمام الشافعي رضى الله عنه في حب آل البيت:
يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبَّكُمُ .. فرضٌ مِنَ اللَهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ.
يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ .. مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ.
مدد يا آل بيت النبي..










