أبـعـاد التـربـيـة..

الكاتبة/ رحـمة بنت مبارك السـلماني
أبـعـاد التـربـيـة..
هناك مثل شعبي تناقله الآباء والأجداد كنصيحة ذهبية وهدية ثمينة للأبناء والأحفاد يقول: “أدِّب ولدك في الخلاء لا يفضحك في الملأ” والغاية الأسمى من هذا المثل هي التشديد على أهمية تربية الأبناء وتعليمهم الأخلاق والقيم الإنسانية الحميدة والعادات والتقاليد المتعارف عليها للتعايش في المجتمع، ومن أجل تأديبهم وتنشئتهم تنشئة صالحة تجلب لهم الفخر والمدائح وتجنبهم الاحراج والفضائح، وتُعد التربية من أساسيات الحياة في نظر الجميع والتي يعرفها عامة البشر بمختلف مستوياتهم ويعتبرونها من المسلّمات التي لا يختلف عليها اثنان، فالتربية هي أساس مهم في عملية بناء شخصية الطفل وكيانه منذ ولادته لمساعدته على النمو والتطور والتشكل نفسياً وجسدياً وعقلياً وخُلقياً، كما أن التربية ليست بالأمر الهين، بل هي أكثر العمليات صعوبة وأغناها تحديات؛ لأنها تشمل تربية الطفل فكرياً ونفسياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً حتى يتمكن من التكيف والتعايش مع المجتمع كونه فرد من أفراده يتأثر به ويؤثر فيه.
إن التربية تعتمد على عدة أبعاد وجوانب كثيرة يجب مراعاتها والاهتمام بها، إلا أن هناك بُعد مادي يُغرقه أكثر الناس اهتماماً وآخر معنوي أو روحي يهمله البعض أو يُسقطه سهواً، حيث يهتم الكثير من الناس بتوفير القشور والحاجات المادية لأبنائهم من مأكل ومشرب وملبس ومنزل وأجهزة وتقنيات وأدوات ترفيهية ومصروفات يومية، اعتقاداً منهم أنهم بذلك يربونهم أحسن وأفضل تربية، بينما يتناسون أن هناك ما هو أهم من كل تلك الماديات الزائفة، وأن التربية الحقيقية لا بد أن ترتكز على الاهتمام بالحاجات المعنوية (الروحية)؛ لأنها أسمى قيمة وأجمل أثراً وأطيب ثمراً ولأنها الهدف الرئيسي والحقيقي للتربية، فالبعض يتجاهل دون قصد أو ربما يتغافل تربية أبنائه تربية معنوية وأن يزرع فيهم القيم والآداب والأخلاق الحميدة التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، فينسى أن يمنحهم الحب والعطف والاهتمام ويعلمهم الصدق والأمانة والاحترام، ويعلمهم الصلاة والعبادات ويفقههم في أمور دينهم ودنياهم، ويزرع فيهم مخافة الله ومراقبة الذات ومحاسبتها، ويهذب سلوكياتهم ويزن تصرفاتهم وانفعالاتهم، فيصبحون بلا قيم وبلا مبادئ هشين فارغين من الداخل.
في الواقع إن التربية هي عملية متواصلة، إذ تتواصل منذ الولادة وحتى فترة المراهقة وما بعدها، فهي عملية متشعبة تشمل التعليم والتعلّم والتوجيه والمراقبة والمشاركة والتفاعل بهدف تكوين شخصية الفرد وإكسابه القيم والأخلاق، وإشباع رغبته في الاستكشاف وطلب المعرفة وتنمية مهاراته ومواهبه؛ حتى يصبح مؤهلاً لخوض تجارب الحياة ويكون قادراً على مواجهة التحديات والمشاركة الإيجابية الفاعلة في المجتمع، كما أن التربية هي عبارة عن عملية تراكمية نتيجة لاتباع سلوكيات واتخاذ أدوات وسلسلة مناهج متتابعة يتعلمها الأبناء ويمارسونها ممارسة عملية في حياتهم اليومية، وهناك عدة جهات ومؤسسات تتشارك وتتقاسم مسؤولية التربية، تشمل الأسرة والمسجد والمدرسة ووسائل الإعلام بأشكالها المختلفة وأفراد المجتمع.
إن الأسرة هي أولى المؤسسات التربوية المسؤولة عن التربية والتنشئة الصالحة للأبناء، والمسؤولية مشتركة يشترك فيها الأبوين كلاهما، فهي ليست حكراً على طرف دون الآخر حيث أنهما يكملان بعضهما البعض، ولكن الغريب في الأمر أن هناك من يُلقي بكامل المسؤولية على أحد الأبوين فقط دون غيره في تربية الأبناء ليترك له الحبل على الغارب ويتصرف كيفما يشاء، ثم يتم وضعه في دائرة المساءلة عند وقوع أي خطأ أو مشكلة _ لا قدّر الله _، إن الأبناء بحاجة ملحّة لاحتوائهم من قِبل الوالدين لإشباع حاجاتهم العاطفية أكثر من إشباع حاجاتهم المادية؛ لأن الإفراط في إشباع الشهوات المادية ليست وسيلة لتربية الطفل تربية صحيحة، فلا بد من التوازن بين حاجات الجسد والروح، ولا بد من إدراك طبيعة الطفل ومراعاة نفسيته وتعزيز الجوانب المعنوية في ذاته لصقل شخصيته، وتربيته من خلال نصحه ووعظه وإرشاده إلى السلوك الصحيح وإبعاده عن السلوكيات الخاطئة.
تُكتسب التربية أيضاً من خلال القدوة، فالطفل منذ الصغر يحب أن يتخذ أحد المقربين له أو أحد أقرانه أو أصحابه قدوة فيقلده في القول والفعل، لذلك يجب أن يحرص الآباء والمربون على أن يكونوا قدوة حسنة لمن هم تحت مسؤوليتهم، ويجب أن يحذروا كل الحذر من أن تُناقض تصرفاتهم أقوالهم وتوجيهاتهم؛ لأن ذلك سيفقدهم المصداقية وتباعاً سيفقد الطفل ثقته بهم، وسيلجأ لطرف آخر خارج الأسرة قد يكون صديق أو رفيق دراسة، ولأن الصاحب ساحب يجب أن نحرص على إرشادهم وتوجيههم إلى ضرورة اختيار الرفقة الحسنة والصحبة الصالحة، كما يجب أن نمنحهم دائماً بعضاً من الوقت، ونحرص على احتوائهم وأن نغمرهم بالعطف والحنان ونعبّر لهم عن مدى حبنا لهم وفخرنا بهم، وأن نهذب سلوكياتهم من خلال الترغيب بالثواب والترهيب بالعقاب، فنكافئهم عند التزامهم باتباع الطريق الصحيح وفي الوقت ذاته نوبخهم ونعاقبهم عند الوقوع في الخطأ ليدركوا عواقبه، فالتوازن في التربية مطلب أساسي وذلك ما يصنع منهم شخصيات قوية قادرة على التصرف بحكمة وتحسن التعامل مع الآخرين واتخاذ القرارات الصائبة في المواقف الصعبة.
يُعد المسجد منبراً للتربية الإسلامية وتعلم أمور الدين والفقه والعقيدة، فهو مركزاً لنشر العلم والمعرفة وفيه يتعلم الأطفال والناشئة القرآن الكريم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو”، ففي المسجد يتعلم الطفل الالتزام بالصلاة والاهتمام بالعبادات ويدرك الغاية التي خُلق من أجلها، فيسري تأثير الصلاة على تعاملاته وحياته العامة، ذلك ما يتضح في قوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[1]، وتبقى المدرسة حصناً مهماً من حصون التربية، فهي مصنع لإعداد البشرية وتسليحها وتربيتها ثقافياً واجتماعياً ونفسياً من خلال التعليم بمختلف مراحله، لأنها تروي وتعزز ما تزرعه الأسرة من قيم وأخلاقيات في نفوس وعقول أبنائها، وتعمل على اكتشاف مواهبهم وقدراتهم وتنميتها وتطوير إمكانياتهم لجعلهم أكثر قوة وكفاءة في إنجاز المهمات، كما تعمل وسائل الإعلام المختلفة على دعم السلوكيات الحسنة والقيم الحميدة لدى الأطفال والناشئة على حد سواء، وتساهم في الحد من السلوكيات السيئة والتصرفات الخاطئة، من خلال شغل أوقات فراغهم بما ينفعهم من مسابقات وبرامج تعليمية وتثقيفية وأفلام وثائقية وعلمية.
هناك بعض الأخطاء في التربية قد يرتكبها بعض المربين فتنعكس سلباً على شخصية الطفل كالمبالغة في دلال الطفل، والإفراط في العقاب على توافه الأمور، وكذلك المبالغة في الثواب وتقديم المكافئات والهدايا، وأيضاً المقارنات المجحفة والتمييز بين الطفل وإخوته أو أقرانه دون مراعاة للفروق الفردية والميول الشخصية المتباينة بين الأطفال، فقد يميّز بعض الآباء والأمهات أحد الأبناء على إخوته ويغرقونه بالاهتمام والحب والحنان والمدائح، مما يؤجج نار الغيرة والكراهية بين إخوته ويثير الشقاق والعداوة البغضاء، وحتى في حالة العقاب لا ينبغي الاعتماد على الضرب والعنف، حيث يمكن عقاب الطفل بعيداً عن الايذاء الجسدي والنفسي وذلك من خلال حرمانه من حاجات مادية أو ترفيهية.
أيها الآباء والأمهات لا تهتموا كثيراً بأشهر ماركات الملابس والأحذية وأرقى علامات العطور والساعات، ولا تتباهوا بأشهر المطاعم وأدسم الوجبات، وأفخم المساكن والأثاث والسيارات، وأعداد الخدم في المنازل والعاملات، والتجوال في أشهر المدن والمطارات، بل تفحّصوا قلوب أبنائكم وعقولهم وانظروا إلى ما تزرعون فيها، فالبذور بحاجة إلى عناية ورعاية ارووها كفايتها من الماء العذب لتحصدوا ثمار طيبة، واسعوا إلى حماية هذه الثمار من الأوبئة والحشرات الضارة، أحسنوا تربية أبنائكم ليكونوا خير خلف لخير سلف، غذوا أخلاقهم بالقرآن والسنة وأطعموهم فعل الطاعات واسقوهم الفضائل والحسنات، كبِر الوالدين وصلة الرحم مراعاة الجار والتصدّق على الفقراء والمساكين واحترام الكبير والصغير، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” والفطرة هي الإسلام وأبواه هما اللذان يشكلانه ويغيرانه ويعلمانه الأخلاق الحميدة والآداب السامية أو يدفعانه إلى غيرها.
يُقال : إن جذور التربية مُرَّة ولكن ثمارها حلوة، لذلك فإن التربية مسؤولية جسيمة ومهمة عظيمة يجب أن يكترث بتحملها الجميع ويعي أهميتها في تشكيل المجتمع برمته، فحين تجد شاباً رزقه الله الكثير من النعم يعيش حياة بائسة مهملاً للصلوات والعبادات لا يحسن التعامل مع الآخرين متباهياً بألفاظه البذيئة وأخلاقه الرديئة، ستوقن حتماً أنه لم يتم تأسيسه تأسيساً صحيحاً ولم يتم تربيته التربية السليمة، وستدرك حينها أن المظاهر مجرد كماليات تافهة وأن الماديات أشياء زائفة ليس لها قيمة، وأن الجوهر والأخلاق الحسنة هي الأساس المتين وهي أولى بالاهتمام، فالتربية السليمة هي أن تُفلح في تهذيب خُلق ابنك وتنجح في تعزيز الوازع الأخلاقي والديني لديه ليكون رادعاً ذاتياً له عن كل معصية أو فاحشة.
[1] الآية رقم ٤٥ من سورة العنكبوت.
* صورة المقال من موقع مركز الأبحاث والدراسات التربوية.










