أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

شـجـرة الـنـارنـج..

ميّـاء بنت سعـيد الصَّـوّافـيَّـة

 

شـجـرة الـنـارنـج..

 

شامخة أنت؛ لأنك الكاملة كما وصفوك تتربعين وسط دارك، ترتحل القوافل الصيفية إلى وطنك الشامي المتربعة على عرش كرسيه، وإلى اخضرار قلبك الممتد إلى أوراقك الوارفة التي يراقصها نسيم صبحك كليلة سندرلية، ومن رموشك الطويلة، وعينيك الخضراوتين تعبق الأرجاء برائحة شذاك .. إنها تأتي مع نسمات الصباح تفسح لهواء شهيقاً حتى يدخل بين الأضلع تلك التي أجهدها التعب بعد جريها وراء الأمنيات الخائبة في ليلها الطويل، والذي سامر قلبها الذي لم ينم.

ثمارك كنجوم ملتهبة أخذت من النار لونها، ترتفع الأيدي؛ لتسقي جذعك المتغلل في عمق ماضيك، ومع جدول مائك تبدين أكثر ظهورا بأوراق تساقطت على صفحة حوضك؛ فكنت مرآة لكل جمال.

أراك وسط بساتينك مرفوعة الرأس ترفعك ابتسامة الغرور ! لا وزن لمن حولك .. فالكل يحاول أن يرتجي النظرات منك؛ قائلاً لك : أنا هنا ما زالت الحياة تدب في عروقي، وما زال الحلم يمد اتساعه في عينيّ خلف أسوار البساتين وجدران الاحتواء .. لكنك لم تلق لهم بالاً؛ لأنك الكاملة في منظورك ومنظور من يرجون ودادك؛ فأنت تبدين أكثر ظهوراً في فكرك القاصر؛ وإن لاح الجمال في الذين معك، أو كادوا أن يفوقوا جمالك.

لماذا وصفوك بالكامل إذن؟!
وأنت إن أتاك الجائع وتجرع شرابك وجده محمضاً، وإن أكل من أهلة ثمارك النارية لسعته ؟.
هل هذه شهرة المظهر ودناءة الجوهر ؟ أم أنه الرياء الذي أظهرك بثوب ملائكي؛ فجعل العيون تترقرق فيها غشاوة الانبهار دون أن تمضي إلى ما وراءك ، من أنانية تلك التي كادت أن تطيح بالكل.

أراك وأنا المتفرس لحقيقة أصلك قد قطعتِ يد العون لمن أراد شيئاُ لا يعنيك، أو إنه ليس من اهتمامك ؛ فالعون الطاهر لا يأتي منك.

قد قسا قلبك، وشمخت بنفسك كطودِ عالٍ بين من هم حولك، لِمَ رمقتهم بشرر الإزدراء، وكأنهم فيفاء قاحلة لا تليق باخضرار مظهرك، وشموخ طودك ؟!.

أنت العظيمة فقط في نظر نفسك، وإن أعلن من هم حولك عن بدايات جمال، أو كادوا على وشك أن يغلبوك.

إرجعي إلى حقيقة إنسانيتك؛ فما ميّزك به الله عن غيرك ما هو إلا أن تكوني رِدءاً لكل شائنة تشينهم، وأمناً لنفوسهم، وسدّاُ لثغراتهم؛ فلم يخلق الله إنساناً كاملاً؛ فما أنت عليه من مزايا إلّا لتكملي ثغرات غيرك وما عند غيرك من كمال إلّا ليسد ندباتك، فارجعي إلى أنوار الكمال الحقيقي وهو التواضع وسد عثرات الغير.

إضـاءة..

شجرة النارنج في الأدب الصيني رمز الوحدة والكمال والجمال، وهي شجرة شامية الأصل.

وأرمز بها هنا إلى الإنسان الذي يراه الناس بأنه كامل، وفي حقيقة أمره هو إنسان في حالة من الخواء النفسي الذي خالطه التعالي؛ ذلك الإنسان الذي لا يقيم وزناً لغيره، حتى وإن ساووه، أو فاقوه في مزاياه).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى