أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

خوارزمـية الانتـخابات..

سالـم بن غـنّـام الجعـفـري

 

خوارزمـية الانتـخابات..

 

الانتخاب هو اختيار، وهو طريقة يختار فيها المواطنون أو بعضهم من يرضون ويتوصل من خلالها لتحديد المستحق للولاية أو المهمة المنتخب فيها، ولو ترك التعريف لي ليكون المعنى اللغوي يتناسب مع معناه الاصطلاحي الحقيقي، لكان الانتخاب يعني الاختيار بعد الاختبار ليحقق الغاية اللغوية منه .. لكن هذا المصطلح عبارة عن خوارزمية تائهة في عالمنا البشري، وكل وضع رموز معادلته وقوانينه وطرق نتائجه وحلوله؛ لتجد في النهاية مفارقات عظيمة في النتائج رباعية العمر تحت سقف واحد..

بل إنه يوم فرز المحصلة الرقمية المُصَوّتة تجد الكل يفرح بطرق الحل التي وضعها في الاختبار الصعب الذي تم تعميمه من باب العدالة الاجتماعية أو ما يسمى الديمقراطية، بغض النظر عما سوف يكون أثر الدالة أو الأداة في المستقبل، وما إذا كان سيتحقق من خلاله صعودا لوجه القمر المنير أم الطرف الثاني منه، وكيفما تكون ثقافتكم يكون مرشحكم ومن ثم ستعاد الكَرَّة من جديد رباعية السنين.

وهكذا ترك المجال مفتوحا مع بعض المقاييس البسيطة التي لا تعني عائقا مهما أو إشكالية الانتقاء؛ فمواصفات علمية لا تتعدى دبلوم الثانوية تنال بطاقة الترشح، وذلك لإتاحة المشاركة بشكل أوسع وإعطاء الفرصة لأكبر شريحة ممكنة حسب توجه الاغلبية في كل مجتمع، وإن كان الهدف أسمى من ثقافة كل الشرائح المجتمعية فالكل يشارك بالإضافة إلى وجود البعض في عالم الانتخاب لا يدرك المعنى الحقيقي للعملية سواء كان رافعا لراية المجتمع، أو حاملا لطبل التحفيز والتشجيع .. أما إيجاد تلكم الحشود لحكمة يعلمها القلة.

٣٣عاما مضت وقبلها مجلس استشاري عشري أريد للمواطن أن يشارك بفاعلية كبيرة في بناء وطنه ويمثل ولايته لإيصال صوت المواطن الآخر، بل وصل الأمر إلى إتاحة الفرصة للعضو أن يكون بعضويته في مجلس عمان وكل هذه المجالس ذات صفة اعتبارية لإثراء مسيرة التطور والبناء ولإبداء الأفكار والآراء التي تخدم الصالح العام وتسهم في توفير الحياة الكريمة للمواطنين.

فخوارزميات العمل الانتخابي كثيرة صعب تفكيكها وتجزئتها إلى يومنا هذا، ومنها خوارزمية قانون القبلية الصعب، والعصبة التى تتماوج بالأصوات بين الولاية والأخرى بمعطيات تساعد في الحل مثل نقل قيد وغيرها؛ فتجد فلان الفلاني هذه الفترة الانتخابية في ولاية ما والفترة القادمة في ولاية أخرى بغية المساندة للقبيلة العظمى المنقسمة هنا وهناك، في بعض دولنا العربية شاهدنا مقاطع مصورة أبطالها أهل العزوة والفزعة، وعودة صيحات المهلهل وغيرهم وهو يخطب في جماعته بأهمية العصبة ورفع شأن القبيلة، واعلاء رايتها بين القبائل، ضاربا بعرض الحائط الاختيار المناسب للولاية جمعا بكل ما فيها من شرائح.

ولو رجعنا قليلا الى السمو والتوجيه الصحيح في هذا الأمر لوجدنا من أهم مقومات قيام الدولة الاسلامية بمنهجية الحبيب المصطفى أعطى أولوية مهمة مفادها .. دعوها فإنها منتنة، فالتنادي بالقبلية والتنافس بالعصبة أمر يحدث تصدعا كبيرا في البنيان المجتمعي، بل الاختيار في التمثيل الرسمي على منهاج وفراسة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي إيصال رسالة الناس أو المجتمع أو أي توجه كان، فيختار للقيادة مَن يجمع بين سَداد الرأي وحُسْن التصرف والشجاعة، ويختار للدعوة والتعليم مَن يجمع بين غزارة العلم، ودَماثة الخُلُق، والمهارة في اجتذاب الناس، ويختار للوِفادة على الملوك والأمراء مَن يجمع بين حُسْن المظهر، وفصاحة اللسان، وسُرعة البديهة، وفي الأعمال الفدائية يختار مَن يجمع بين الشجاعة الفائقة، وقوة القلب، والمقدرة على التحكم في المشاعر حتى عندما طلبه أبو ذر الغفاري الولاية لم يعطه، ورفض طلبه وهو صحابي ذو مكانة عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم.

فلنتمعن هذا الحديث وكفى؛ عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال : يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها؛
فالتدافع إلى أخذ هذه المناصب أمر لا يقدره الجميع، ولا يمكن للكل القيام بكافة مهامه إلا من هم ذوي كفاءة وإمكانية تميزانه عن الغير.

وهناك خوارزمية (من عنده قرش يسوى قرش) ويعمل من خلالها بشيء من التجاوز ولذا وضعت التشريعات والإجراءات الصارمة للحد منها في القانون العام لكنها تحدث في الخفاء؛ فالكثير من الناس يتغنى بالبيت الذي يقول :
رأيت الناس قد مالوا .. إلى من عنده مال.
ومن ليس عنده مال .. فعنه الناس قد مالوا.

خوارزمية (الشبع العلمي والألقاب) الذي إذا قُرِن بالعمل المجتمعي تجده يساوي صفرا، وهنا لا نعني أن الحديث عن الألقاب والشهادات ليس بمعرض إعطاء صورة قاتمة عليها أو الانتقاص والتجريح ومحاولة النيل من كل من يحملها؛ بل عنصر مهم في تمايز الاختيار لكن البعض يفتخرون بشهاداتهم التي تفتقد لأية قيمة إضافية حقيقية للميدان المجتمعي والسعي لخدمته، بل ما كان ينبغي أن نستغل هذه الإمكانية سنين طويلة في خدمة الأنا .. ثم إذا ركن أصحابها أتوا إلى ميادين الانتخاب في ولاياتهم يجعلون ما يحملون من شهادات وسيلة للتسلق إلى مناصب برلمانية يريدون منها الوجاهة والمكانة؛ فرب متعلم ذي شهادات أقل لكنه فاعل منذ نعومة أظفاره في خدمة مجتمعه ومناشد من أجل تطويره أولى منهم مع يقيني التام أن لو اجتمعت في شخص ما الشهادات العليا والألقاب الكبيرة مع تسخير تلك في خدمة الناس منذ زمن فبلا شك اتجه إليه الكل لانتخابه واختياره.

وهناك الكثير من خوارزميات الانتخاب التى لم نعد نفهمها كخوارزمية (مع الخيل يا شقرا)؛ مسميات كثيرة ربما من وجهة نظر المجتمع غير معروفة أو بمعنى آخر لا مؤهلات ولا إمكانيات لمجرد إيجاد الصورة وتعميمها، أو إعطاء النفس ما ليس فيها، ويمكن إعطاء هذه الخوارزمية إسما آخر (حالي حال الناس)، وغيرها من هذه الخوارزميات.

فعندما يعرف الهدف ينتقى الاختيار بعد تمحيص واختبار، وعرض السيرة، ومعرفة مواطن الكفاءة؛ هنا يحق الافتخار بمن تم انتخابه .. فهذا ما قامت به بعض الولايات ولله الحمد نسأل الله لهم التوفيق في خدمة وطنهم، ومن ثم ولاياتهم؛ الهدف الأسمى خدمة وطن لا جزء منه فلكم خرج من هذه المجالس البرلمانية منتخبين برتبة وزير ووكيل، ومن مثل بلده على أكمل وجه في لجان رسمية على مستوى العالم، فالغاية عظيمة فلنحسن الاختيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى