أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

بركان الأقـصى ورُهَـاب الأفكار..

عبد الحميد بن حميد الجامعي

 

بركان الأقـصى ورُهَـاب الأفكار..

 

في تعليق وتحليل ذي خيال جامح جدا… قام بعض الكتاب بتناول مقطع لبعض الأخوة يلمح لنظرية المؤامرة في أحداث فلسطين الأخيرة بشكل تغذيه الوساوس والظنون، وتلفظه الوقائع والأحداث، وليس له في رأيي نصيب من الصحة.

قام التحليل على مساواة إيران والغرب في الأطماع أو حتى في المنهج وفي العداء وزعم زراعة كيان في لبنان (حزب الله) مقابلا لزراعة كيان في فلسطين من قبل الغرب (إ س ر ا ئ ي ل)، رغم كون (حزب الله) لبنانيا صاحب دار وقرار، والكيان الصهيوني شتات من عرقيات مختلفة، جُمِّعُوا من أصقاع الأرض وغُرسُوا في أرض فلسطين، وهو أمرٌ أبعدَ فيه صاحبُه -بهذا- الرميةَ، وتجاوز الحد، ولم يُصِبْ الغاية.

لقد استطاع بعضهم زرع ذلك الشك غير المبرر والتحزب بين المسلمين رغم اشتراكهم في الجغرافيا وعموم الثقافة، واستدعوا بذلك العداء التأريخي وأحيوا المصطلحات البائدة (صفوية وخوارج ورافضة ونواصب ونُصَيْري الخ) في عصر لا تنجح فيه إلا الوحدة الواحدة والعيش المشترك لا سيما بين الأقربين.

إن نظرية المؤامرة التي تعشش في عقول العرب ومحلليهم أكلت منهم الكثير، حتى كادوا من معتقدهم ذلك أن يؤلهوا الكيان، وهم يزرعون للأسف اليأس في بني جنسهم من العرب دون ما يشعرون… لذلك تجدهم مثلا في الحراك الأخير (طوفان الأقصى) ومن قبله في عملية (الوعد الصادق) ٢٠٠٦ جنوب لبنان، يشككون أن تستطيع ثلة من الشباب العرب والمجهادين النجاح بتلكم الطريقة دون أن ينسبوا ذلك للإله الصهيوني، أنه بإذنه ولمكرٍ عنده ودهاءٍ سمح بذلك -ولو كان بصورةٍ “لا فاوة فيها ولا غراوة”- خضوعا لعقيدتهم التي نجح الإعلام العالمي في زرعها عن اليهود/ الصهاينة أنهم أصحاب حضارة وتقدم وديمقراطية وإنسانية ولا يعزب عنهم مثقال ذرة في ميدان القتال وغيره.. رغم أن جميع المعطيات على الأرض لا تسعف نظريتهم التي تقول بأن هذا بُيِّتَ بليلٍ حتى ينزح أهل غزة لسيناء المصرية … والمعطيات التي تمنع هذه النظرية عديدة، لا تقتصر على سقوط هيبة دولة الاحتلال في العالم، وتدهور اقتصادها وأمنها ورصيدها الاستخباراتي، والإثخان في القتل والأسر فيهم، وقطع طرق الخروج من غزة (قصف معبر رفح)، ومنع الممرات الآمنة للخروج إلخ وغير ذلك من موانع لواقعية نظرية المؤامرة في هذا المقام.

والعقيدة الثانية التي أيضا تم زراعتها دون أن يكون لها أرضية ولا مرجعية ملموسة عن الدولة الصفوية متمثلة في إيران وملاليها، وأنها أعتى على العرب وأشد خطرا من الصهاينة في فلسطين، والهندوس في الهند على الإسلام… وربما من يقرأ تعقيب بعض الكتاب في تداخلاتهم ومقالاتهم يجد تمكن هذه العقيدة بصورة أكبر من عقيدة عداء الصهاينة ومكر الأمريكان والغرب، فيغلب على تعقيبهم حضورها والانطلاق منها.. وأنها مخترقة كل حركة مقاومة عربية في لبنان وفي فلسطين وفي غيرهما، وأنها على علاقة مصيرية وصداقة مع الامبريالية الأمريكية والغربية التي سمحت لها بالوجود، وسمحت لها بامتلاك الأسلحة النووية دون الدول العربية كالعراق، ويغيب عنهم كوريا الشمالية وروسيا، وهل قام الغرب أيضا بالسماح لهم بامتلاك النووي، فهم عملاء للغرب؟! وغيرها من غرائب الأمور والسيناروهات والتخيلات… وهي عقيدة تتقاطع مع العقيدة الأولى في أنه -كما الصهاينة آلهة- فالصفوية آلهة أخرى مرتبطة بالأولى في الباطن مقابل العرب المساكين الذين على نياتهم والجميع طامع بهم.. حتى ينسب كل إنجاز وحراك يقومون به إلى غيرهم، وكأنه لا نخوة لهم ولا هبة، فجعلوا المقاومة العراقية نسبها إلى إيران، واللبنانية انتصارها وتحركها إلى إيران، وكذلك في اليمن وسوريا، وفلسطين كما هو اليوم وكل يوم، وهو مرة أخرى إهانة للجنس العربي، وكأنهم مجموعة دمى يمكن لأيٍّ كان تحريكها وخداعها واستغفالها والضحك عليها.

إن الصفوية وخطرها عقيدة تشكلت من خشية الدول الملكية في المنطقة العربية -في سبعينيات القرن الماضي- من سقوط ملكياتهم كما سقطت ملكية الشاه بالثورة الاسلامية الإيرانية التي أطاحت به، لذلك اعتبرت هذه الأنظمة حينها نظام الثورة وملاليه (كناية عن كون مرجعيته إسلامية) عدوا لهم، لتكتنز مخيالاتهم أنه يريد تصدير الثورة لدولهم يقينا -وقد يكون صح ذلك في نطاق ضيق جدا ولكن لا يمكن تعيينه والقطع باستمراره- فكان هذا كفيلا بوجود اصطفاف قوي ضد هذا النظام، رغم عدم وجود ما يدعم نظريتهم منذ اشتعال الثورة في ١٩٧٩ م، وحرضوا العراق ودعموه معنويا وماديا ليدخل في حرب لثمان سنوات مع إيران من دون أي اختبار للثورة ونظام الحكم الجديد ولو للحظة خضوعا للفوبيا التي انتابتهم وخوفهم على ملكياتهم أن تذهب عنهم، واستمر ذلك الشعور يخبو ويشتد حسب السياقات، واشتداده يظهر في أي سياق أو مقام يمكن أن يظهر هذا النظام بصورة البطل الإسلامي سيما في قضايا جامعة للمسلمين كقضية فلسطين، حيث يتم التشكيك فيه وفي دعمه هربا أن ينال من شرف القضية، وإرهابا لشعوبهم منه، وزرعا للشك فيهم من كل ما قد يظهر من عمل ناجح منه، متسورين بذلك عالم الغيب والظن، مستصحبين الفوبيا من الثورة الإيرانية حتى الآن رغم توالي العقود والسنوات، إلا أنه لا تحديث موجبا فيه، بل ما زال العرب يُسَبِّحُونَ -في فَلَكِ السوداوية القهرية- بحمد الشك والظن والعداء التاريخي والأزلي (المفتعل من أعدائهم) باسم المذهب والمتجه السياسي والديني عموما.

من ثم فرأي كثير من أولاء الأخوة الكتاب ضد حزب الله وضد حماس (لأن الأخيرة أيضا حركة ملالي بمعنى الاسلامي) أيضا هو نتاج لتلك الصدمة التي خلفت تلكم الفوبيا في أنظمتنا العربية، فرغم تقديم إيران وحزب الله وغيرهم الدماء في سبيل قضايا عامة للأمة يتخلف العرب وحكوماتهم بل ويشكلون-في مواقف عدة- عقبة كَأداءَ ضد نجاح تلكم الجماعات المجاهدة وإنجازاتهم، يشككون ويُحَمِّلُون أوزار الاحتلال وأوزار المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية وتقصيرهم عليهم حصرا، فالعرب -من أصحاب هذه العقائد- يريدون لهم وحدهم طهارة القلب وصدق النية في نصرتهم لهذه القضايا، والتشكيك في غيرهم المضحي (في ظاهره)، وهو من عجائب الأمور، وربما ترتكز الأنظمة الحاكمة والدول اليوم وتتغذى على مثل هذا التحليل الذي ينطلق كاتبوه من تلكم العقائد المضللة.

إن علامة هذه العقائد الرجعية بادٍ بجلاء في عدم قدرة الدول العربية -المتربصة- من أداء أضعف الإيمان من تعبير صريح ضد محرقة الكيان وجريمته في غزة، الذي يقوم بإبادة جماعية للقطاع، لا في وزارات خارجيتها، ولا أوقافها حيث المنابر ملتفعة بالجبن والرهاب والبرود القاتل، رغم عدة أسباب تدعو لتدخلهم العسكري المباشر فضلا عن التعبيري؛ منها كون المعتدى عليهم من بني جلدتهم، ومن ثقافتهم و دينهم، وأنهم ينوبون عنهم في سد عورتهم وسوء انتصارهم لمقدساتهم رغم تدنيسها يوميا، وأن الدول الأخرى (أمريكا والغرب) تجرأت وشكلت غطاء للكيان المحتل بصورة فجة مباشرة من خلال إدانة عدوهم (حماس/ العرب) ووصفهم بالإرهابيين دون مواربة، وخطب ودهم بالتصريحات الإعلامية، وإرسال وزراء الخارجية زُرَافاتٍ لفلسطين المحتلة لدعم الكيان معنويا، بل ومشاركتهم جرائمه بالأسلحة والرجال بسبب كونه من دينهم وعلى منهجهم، كما عبر وزير الخارجية الأمريكي رسميا في زيارته فلسطين المحتلة واجتماعه بوزير خارجية الكيان الغاصب أمسِ، وقوله : “لم أقدم كوزير خارجية أمريكي فقط بل كيهودي فر والده من القتل” متناسيا -وهو يتكلب بموقفه ودولته- من آوى أجداده الهاربين وحماهم، فكان دعمه للكيان الغاصب -غير المشروط- بسبب ديني أيضا، ولو كان لارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، وكما عبرت -على المستوى الشعبي- عن ذلك ردة فعل الممثلة جيمي لي كرتيس (Jame Lee Curtis) في منشور لها بعنوان : “رعب من السماء” في حذفها صورةً لأطفال مرعوبين من القصف كانت نشرتها تعاطفا على كونهم أطفال المحتل؛ فلما قيل : إنهم أطفال فلسطين حذفت المنشور، وأيضا رغم كون القانون الدولي في صفهم (أي العرب) وهو يلزم المحتل ويجبره على حماية من يحتلهم فضلا أن يرميهم ويجرم هو فيهم، ولا يسيغ له معاقبة المدنيين انتقاما لفشله العسكري على الأرض بل يضاد العسكري بالعسكري ولا يتحمل العسكري (حماس) ردة فعل الكيان المحتل في قصف المدنيين وإبادتهم لفشله في مواجهتهم، بل يتحمله المجتمع الدولي لأنه الملزوم بمنع المحتل من الانتقام لفشله باستهداف المدنيين من خلال السهر على حماية القانون الدولي وإيجاب تطبقيه.. ويتحمله العرب قيادة وشعوبا قبل ذلك عنهم بمراحل… رغم كل ذلك إلا أن العقائد المفسدة المعششة في رؤوس العرب منعتهم عن التعبير ضد حرق أرضهم وأناسهم، ومن تكلم منهم أعاد إنتاج مقاربة حل الدولتين الفاشل واستئناف عملية السلام “الأعوج”،وغير ذلك دون اعتداد بتغير السياقات والمقام والأحداث الجديدة، هذا المحظوظ منهم بشيء من العزة، أما بعضهم فقد سقط في وحل التخلف حتى بات مسخا، فأصبح يواسي المعتدي الظالم على حساب بني جلدته، من ثم على الأمة رفض هذه العقائد المفسدة، التي أحطت منها حتى باتت لا قيمة لها في ميزان الأمم الأخرى، وحرب غزة اليوم تنطق بذلك بلسان مبين.

نصر الله المجاهدين الأشراف وأحيا الله القلوب ورفع الهمم وحرر الأرض المقدسة التي كتبها للعالمين، وكانت هذه الحرب بداية نهاية العدو المحتل وزبانيته، ورزقنا الله الصلاة في الأقصى محررا كريما عاجلا غير آجل وكل أرض فلسطين بعيدا عن حل الدولتين وسياسة الطرشان في طلب إحياء عملية السلام الجيفاء، ونفخ الله في ضمير هذه الأمة الحياة من جديد والإصرار على نصرة المظلوم منهم ومن غيرهم؛ (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) .. (الشورى : ٣٩)

ونقول للمنابر في يوم الجمعة المعظم هذا :
إعلي منابرَ وانطُقي بسلاحِ …… ولتهدري في صوتك الصداحِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى