أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

وتحسبونه هـيِّناً وهو عند الله عظيم..

سـالـم بن سعـيـد البـادي

 

وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم..

 

قال تعالى في محكم كتابه الذي نزله مرشداً لعباده المؤمنين إلى الطريق القويم الذي إن اتبعوه انتهى بهم إلى جنة النعيم، وإن خالفوه باتباعهم هوى أنفسهم أرداهم في نار الجحيم : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15).

وهذا الصحابي الجليل أبا هريرة رضي الله عنه يحدثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم وفي رواية : لتهوي به في النار سبعين خريفاً وقال صلى، الله عليه وسلم : كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.
وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ومن أقوال بعض أهل العلم حينما تكلموا عن الشرور والبلايا ومصادرها : إن أعظم الشرور والبلاء إنما تقع من اللسان والفرج.

فلذلك أخي القاريء إن وسائل التواصل الإجتماعي تعج بالكلام المسيء للآخرين والصور الفاضحة التي تنتهك حرمات الأشخاص سواء كان بإرادتهم أو بغير إرادتهم بأية صورة من صور عدم الإرادة المتعددة التي يقعون تحت قهرها والذي يمكن أن يكون مبرراً (للموافقة الجبرية) منهم لنشر أحاديثهم وصورهم ومقاطعهم الصوتية بأية وضعية كانت، وأين كانت، وتحت أي ضغط مادي أو معنوي كان، فيظل المكره مكرهاً والمسلوب الإرادة لا اختلاف عليه أنه سيفعل ما يريد السالب منه مهما كان الثمن والنتيجة، ولكن لايكون لنا نحن أية حجة أو مبرراً تحت أي مسمى أو مصطلح كمطلعين على الكلام المسيء أو الصور الفاضحة أو المقاطع التي تحط من كرامة الناس أو كرامة ذويهم أن نتحدث بكل ما قرأناه أو شاهدناه من صور أو مقاطع فيديو تنشر عن الآخرين سواء كنا نعرفهم أو لا نعرفهم وسواء من بلدنا أو من البلاد الأجنبية أو فيها وبغض النظر عن الدين الذي يعتنقونه؛ فديننا الحنيف حرم علينا أن نطلع على مساويء الآخرين أو نتتبع عوراتهم من الكلام أو الصور وكل ما ينسب إليهم من هذا القبيل أو حتى نتحدث عنهم وحرم علينا أن نشيع مثل ذلك بيننا كمسلمين أحياءً كانوا أو قد قضوا نحبهم فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز : {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ} الحجرات : 12.

ونلاحظ هنا من الآية الكريمة أن الله عز وجل شبه ذكر الآخرين وتداول الكلام عنهم في غيبتهم وهم أحياء بأكل الإنسان لحم أخيه ميتاً؛ فما بالنا بالذي يتحدث أو يشاهد صوراً أو مقاطع فيديو مسيئة لإنسان قد غادر الحياة ويسيء إليه أو يذكره بما لا يليق به وقد يكون بريئاً مما رماه به من قول أو فعل؛ فليس كل ما يفعله الإنسان كما أسلفنا يفعله وهو راضٍ عما يفعله أو مقتنع به، وقد يكون فعله وهو مسلوب الإرادة فمن سلبت إرادته فلا يحاسب على فعله لأن المحاسبة تأتي بحق من تحققت له الإرادة الكاملة؛ أما الإرادة الناقصة بأية صورة كانت فلا يؤخذ بها لمساءلة الفاعل المُكْره كأن يكون الإنسان تحت التهديد بالقتل أو التعذيب أو سلب عقله بالتخدير وما شابه ذلك مما يمكن أن يجعل الإنسان يتصرف بغير إرادته ويظهر سلوكاً وكأنه يسلكه بإرادته ولكنه في حقيقة الأمر يفعل ذلك بتوجيه أو بإيحاء أو أمر مباشر من غيره ويفعل ذلك إتقاء لما يتوقع أن يقع عليه أسوأ من الفعل أو السلوك ذاته.

ويجب أن نعلم أن تفكير الإنسان حينما يصطدم بمواقف مختلفة تجعله في وضع لا خيار له فيه إلا الرضوخ لمطالب الطرف الآخر لأن طريقة التفكير تختلف من شخص لآخر في اختيار حل الموقف أو التخلص منه، وكذلك يختلف التفكير أيضاً لدى الإنسان عنما يكون محاطاً بالموقف وظروفه والمطالب المطروحة عليه عن الإنسان الذي يكون خارج الموقف فهذا الأخير قد يكون لديه مساحة من الوقت للتفكير والمجال مفتوحاً له لانتقاء الخيار الأفضل مما اتخذه الأول.

وكما نعلم أنه ليس كل ما يطرح في وسائل التواصل الإجتماعي صحيحاً أو دقيقاً، فمن بين الأفكار والمعلومات والصور ومقاطع الفيديو ما يطرح بسوء نية مخطط له بعناية يشرف على تنفيذه منظمات متخصصة تستهدف أشخاص معينين وشرائح محددة من المجتمع من أجل تغيير قيمهم وأفكارهم وتوجهاتهم التي تربوا عليها في مجتمعاتهم المحافظة المتماسكة ومنه ما يطرح لأغراض تشكيك الناس في أديانهم ومعتقداتهم ومنه ما يطرح لأغراض تشتيت أفكار الشباب وجعلهم تائهين حيارى بين الأفكار والقيم التي تربوا عليها والأفكار الغربية التي يدفعونهم إلى تبنيها وترسيخها في عقولهم بعد العمل على إقناعهم بأنها هي الحقيقة الصحيحة وأن تبنيها والتعلق بها ستحقق لهم أحلامهم وأحلام مجتمعاتهم وكل ذلك في إطار الرغبة في السيطرة على عقولهم واللعب بها حسب توجهاتهم ومخططاتهم الرامية إلى سلخ الشباب من القيم الأخلاقية وتمزيق المجتمعات وبالتالي السيطرة عليها وإحتلالها وتدميرها فكرياً وثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً.

كما أن بعض الوقائع والقصص التي تطرح في هذه الوسائل ليس بالضرورة أن تكون حقيقية وواقعية ولها ارتباط بالأشخاص الذين ظهروا في المحتوى، إلا أنها تطرح من قبل المغرضين لإقناع الشريحة المستهدفة بأن هناك من هم سلكوا هذا الطريق فلا يتردد المستهدف من الإنخراط في المجال المطروح.

وصحيح أن أشخاص الوقائع والقصص التي تظهر في المقاطع المنشورة حقيقيون تلتقط صورهم من مواقع التواصل الإجتماعي ويعاد تركيبها صوراً وصوتاً وحركات حسب هدف المخرج للمحتوى بإستخدام تطبيقات ما يسمى بالذكاء الإصطناعي وبعد أن يتم إخراجها بالكيفية المطلوبة تنشر في وسائل التواصل الإجتماعي لتحقيق الغاية المنشوده وكثير من هذه المقاطع لا يعتمد عليهاة لفقدانها أدنى الحقيقة والمصداقية والموثوقية.
فلذلك أقول الرأفة الرأفة بأنفسنا وبالآخرين حينما نسقط الأحكام والتأويلات على الأبرياء بلا علم ولا دليل على تأويلاتنا إلا من الصور والمقاطع المركبة والأحاديث الملفقة والأقوال المتناثرة من أفواه السفهاء المستوحاة من الهرج والمرج الذي يموج فيه كثير من الناس والذي أبتليت به الأمم عامة وأستهدفت به الأمة الإسلامية خاصة ، فلا تحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم.

فمن واجبنا كمطلعين إذا ما وقع نظرنا على شيء من هذه الصورة أوالمقاطع التي تسيء إلى أيٍ كان فلا نوغل النظر فيها بل نبادر بحذفها إن إستطعنا إلى ذلك سبيلاً وإذا سمعنا من يتحدث عن إنسان بشيء من هذا القبيل الذي لا نرتضيه لأحد من أقاربنا فلا نسكت ونستمع إليه وكأن الأمر لا يعنينا بل ندافع عن الشخص المتحدث عنه ولو لم يكن بيننا وبينه معرفة، وندافع عنه بكل ما أوتينا من قوة نستطيع لإتثبات براءته مما يقال، آخذين في الإعتبار أن الله قد استعملنا في الدفاع عن عبده أو أمته متذكرين قول الله تعالى : (إن الله يدافع عن الذين أمنوا) ومستحضرين أن كل قبيح من القول أو الفعل ما هو إلا دين علينا مهما طال الزمن أو قصر فهو آتينا لا محالة وأن القول الفعل الحسن ماهو إلا دين لنا سيعود خيره لنا أو لأولادنا أوخاصتنا يوما ما فلنحرص على حسن القول والفعل نحصد حسن ما قلنا وفعلنا، وإن كان ما سمعناه أو شاهدناه في وسائل التواصل الإجتماعي فلا نتردد أن نكتب وندافع عمن أسيء إليه بالقول أوالصور ولو أن نرد بكلمة واحدة قد ننجو بها عند الله يوم نحن في حاجة للنجاة ولو بحسنة واحدة.

أسأل الله تعالى أن ينفعني وينفعكم بما كتبت وأن يجعلني أول من يطبق ذلك؛ إنه سميع مجيب والقادر على ذلك.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى